"صفحة رقم 227"
الدين فغلبت وقتلت ؛ وفرقة قعدت في المدن يدعون إلى الدين ويبينونه ولم تقاتل ، فأخذها الملوك ينشرونهم بالمناشير فقتلوا ، وفرقة خرجت إلى الفيافي ، وبنت الصوامع والديارات ، وطلبت أن تسلم على أن تعتزل فتركت . والرهبانية: الفعلة المنسوبة إلى الرهبان ، وهو الخائف بني فعلان من رهب ، كالخشيان من خشي . وقرىء: ورهبانية بالضم . قال الزمخشري: كأنها نسبة إلى الرهبان ، وهو جمع راهب ، كراكب وركبان . انتهى . والأولى أن يكون منسوبًا إلى رهبان وغير بضم الراء ، لأن النسب باب تغيير . ولو كان منسوبًا إلى رهبان الجمع لرد إلى مفرده ، فكان يقال: راهبية ، إلا إن كان قد صار كالعلم ، فإنه ينسب إليه على لفظه كالأنصار . والظاهر أن ) إِلاَّ ابْتِغَاء رِضْوانِ ( الله استثناء متصل من ما هو مفعول من أجله ، وصار المعنى: أنه تعالى كتبها عليهم ابتغاء مرضاته ، وهذا قول مجاهد ، ويكون كتب بمعنى قضى . وقال قتادة وجماعة: المعنى: المعنى: لم يفرضها عليهم ، ولكنهم فعلوا ذلك ابتغاء رضوان الله تعالى ، فالاستثناء على هذا منقطع ، أي لكن ابتدعوها لابتغاء رضوان الله تعالى . والظاهر أن الضمير في ) رَعَوْهَا ( عائد على ما عاد عليه في ) ابتَدَعُوهَا ( ، وهو ضمير ) الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ( ، أي لم يرعوها كما يجب على الناذر رعاية نذره ، لأنه عهد مع الله لا يحل نكثه . وقال نحوه ابن زيد ، قال: لم يدوموا على ذلك ، ولا وفوه حقه ، بل غيروا وبدلوا ، وعلى تقدير أن فيهم من رعى يكون المعنى: فما رعوها بأجمعهم . وقال ابن عباس وغيره: الضمير للملوك الذين حاربوهم وأجلوهم . وقال الضحاك وغيره: الضمير للأخلاف الذين جاءوا بعد المبتدعين لها . ) ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى (: وهم أهل الرأفة والرحمة الذين اتبعوا عيسى عليه السلام . ) وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (: وهم الذين لم يرعوها .
الحديد: ( 28 ) يا أيها الذين . . . . .
( يا أيها الذين آمنوا (: الظاهر أنه نداء لمن آمن من أمة محمد( صلى الله عليه وسلم ) ) ، فمعنى آمنوا: دوموا واثبتوا ، وهكذا المعنى في كل أمر يكون المأمور ملتبسًا بما أمر به . ) يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ ( ، قال أبو موسى الأشعري: كفلين: ضعفين بلسان الحبشة . انتهى ، والمعنى: أنه يؤتكم مثل ما وعد من آمن من أهل الكتاب من الكفلين في قوله: ) أُوْلَئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ ( ، إذ أنتم مثلهم في الإيمانين ، لا تفرقوا بين أحد من رسله . وروي أن مؤمني أهل الكتاب افتخروا على غيرهم من المؤمنين بأنهم يؤتون أجرهم مرتين ، وادعوا الفضل عليهم ، فنزلت . وقيل: النداء متوجه لمن آمن من أهل الكتاب ، فالمعنى: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى ، آمنوا بمحمد( صلى الله عليه وسلم ) ) ، يؤتكم الله كفلين ، أي نصيبين من رحمته ، وذلك لإيمانكم بمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، وإيمانكم بمن قبله من الرسل . ) وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ (: وهو النور المذكور في قوله: ) يَسْعَى نُورُهُم ( ، ويغفر لكم ما أسلفتم من الكفر والمعاصي . ويؤيد هذا المعنى ما ثبت في الصحيح:( ثلاثة يؤتهم الله أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي ) ، الحديث .
ليعلم أهل الكتاب الذين لم يسلموا أنهم لا ينالون شيئًا مما ذكر من فضله من الكفلين والنور والمغفرة ، لأنهم لم يؤمنوا برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، فلم ينفعهم إيمانهم بمن قبله ، ولم يكسبهم فضلًا قط . وإذا كان النداء لمؤمني هذه الأمة والأمر لهم ، فروي أنه لما نزل هذا الوعد لهم حسدهم أهل الكتاب ، وكانت اليهود تعظم دينها وأنفسها ، وتزعم أنهم أحباء الله وأهل رضوانه ، فنزلت هذه الآية معلمة أن الله تعالى فعل ذلك وأعلم به . ليعلم أهل الكتاب أنهم ليسوا كما يزعمون .
الحديد: ( 29 ) لئلا يعلم أهل . . . . .
وقرأ الجمهور: ) لّئَلاَّ يَعْلَمَ ( ، ولا زائدة كهي في قوله: ) مَا مَنَعَكَ أَن لاَ تَسْجُدُواْ ( ، وفي قوله: ) أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ( في بعض التأويلات . وقرأ خطاب بن عبد الله: لأن لا يعلم ؛ وعبد الله وابن عباس وعكرمة والجحدري وعبد الله بن سلمة: على اختلاف ليعلم ؛ والجحدري: لينيعلم ، أصله لأن يعلم ، قلب الهمزة ياء لكسرة ما قبلها وأدغم النون في الياء بغير غنة ، كقراءة خلف أن يضرب بغير غنة . وري ابن مجاهد عن الحسن: ليلًا مثل ليلى اسم المرأة ، يعلم برفع الميم أصله لأن لا بفتح لام الجر وهي لغة ، فحذفت الهمزة ، اعتباطًا ، وأدغمت النون في اللام ، فاجتمعت الأمثال وثقل النطق بها ، فأبدلوا من الساكنة ياء فصار