فهرس الكتاب

الصفحة 3955 من 4224

"صفحة رقم 265"

الإسراع في المشي ، كالسعي بين الصفا والمروة ؛ وإنما هو بمعنى قوله تعالى: ) وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى ( ، فالقيام والوضوء ولبس الثوب والمشي كله سعي . والظاهر أن الخطاب بالأمر بالسعي للمؤمنين عمومًا ، وأنهما فرض على الأعيان . وعن بعض الشافعية ، أنها فرض كفاية ، وعن مالك رواية شاذة: أنها سنة . وقال القاضي أبو بكر بن العربي: ثبت عن رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) ) أنه قال: ( الرواح إلى الجمعة واجب على كل مسلم ) . وقالوا: المأمور بالسعي المؤمن الصحيح الحر الذكر المقيم . فلو حضر غيره أجزأتهم . انتهى .

والمسافة التي يسعى منها إلى صلاة الجمعة لم تتعرض الآية لها ، واختلف الفقهاء في ذلك . فقال ابن عمرو وأبو هريرة وأنس والزهري: ستة أميال . وقيل: خمسة . وقال ربيعة: أربعة أميال . وروي ذلك عن الزهري وابن المنكدر . وقال مالك والليث: ثلاثة . وقال أبو حنيفة وأصحابه: على من في المصر ، سمع النداء أو لم يسمع ، لا على من هو خارج المصر ، وإن سمع النداء . وعن ابن عمر وابن المسيب والزهري وأحمد وإسحاق: على من سمع النداء . وعن ربيعة: على من إذا سمع النداء وخرج من بيته ماشيًا أدرك الصلاة . وقرأ كبراء من الصحابة والتابعين: فامضوا بدل ) فَاسْعَوْاْ ( ، وينبغي أن يحمل على التفسير من حيث أنه لا يراد بالسعي هنا الإسراع في المشي ، ففسروه بالمضي ، ولا يكون قرآنًا لمخالفته سواد ما أجمع عليه المسلمون .

وذكر الله هنا الخطبة ، قاله ابن المسيب ، وهي شرط في انعقاد الجمعة عند الجمهور . وقال الحسن: هي مستحبة ، والظاهر أنه يجزىء من ذكر الله تعالى ما يسمى ذكرًا . قال أبو حنيفة: لو قال الحمد لله أو سبحان الله واقتصر عليه جاز ، وقال غيره: لا بد من كلام يسمى خطبة ، وهو قول الشافعي وأبي سفيان ومحمد بن الحسن ، والظاهر تحريم البيع ، وأنه لا يصح . وقال ابن العربي: يفسخ ، وهو الصحيح . وقال الشافعي: ينعقد ولا يفسخ ، وكلما يشغل من العقود كلها فهو حرام شرعًا ، مفسوخ ورعًا . انتهى . وإنما ذكر البيع من بين سائر المحرمات ، لأنه أكثر ما يشتغل به أصحاب الأسواق ، إذ يكثر الوافدون الأمصار من القرى ويجتمعون للتجارة إذا تعالى النهار ، فأمروا بالبدار إلى تجارة الآخرة ، ونهوا عن تجارة الدنيا ، ووقت التحريم من الزوال إلى الفراغ من الصلاة ، قاله الضحاك والحسن وعطاء . وقال ناس غيرهم: من وقت أذان الخطبة إلى الفراغ ، والإشارة بذلكم إلى السعي وترك البيع ، والأمر بالانتشار والابتغاء أمر إباحة ، وفضل الله هو ما يلبسه في حالة حسنة ، كعيادة المريض ، وصلة صديق ، واتباع جنازة ، وأخذ في بيع وشراء ، وتصرفات دينية ودنيوية ؛ فأمر مع ذلك بإكثار ذكر الله . وقال مكحول والحسن وابن المسيب: الفضل: المأمور بابتغائه هو العلم . وقال جعفر الصادق: ينبغي أن يكون فجر صبح يوم السبت ، ويعني أن يكون بقية يوم الجمعة في عبادة .

الجمعة: ( 11 ) وإذا رأوا تجارة . . . . .

وروي أنه كان أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر ، فقدم دحية بعير تحمل ميرة . قال مجاهد: وكان من عرفهم أن يدخل بالطبل والمعازف من درابها ، فدخلت بها ، فانفضوا إلى رؤية ذلك وسماعه ، وتركوه ( صلى الله عليه وسلم ) ) قائمًا على المنبر في اثني عشر رجلًا . قال جابر: أنا أحدهم . قال أبو بكر غالب بن عطية: هم العشرة المشهود لهم بالجنة ، والحادي عشر قيل: عمار . وقيل: ابن مسعود . وقيل: ثمانية ، قالوا: فنزلت: ) وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً ). وقرأ الجمهور: ) إِلَيْهَا ( بضمير التجارة ؛ وابن أبي عبلة: إليه بضمير اللهو ، وكلاهما جائز ، نص عليه الأخفش عن العرب . وقال ابن عطية: وقال إليها ولم يقل إليهما تهممًا بالأهم ، إذ كانت سبب اللهو ، ولم يكن اللهو سببها . وتأمّل أن قدّمت التجارة على اللهو في الرؤية لأنها أهم ، وأخرت مع التفضيل لتقع النفس أولًا على الأبين . انتهى . وفي قوله: ) قَائِمًَا ( دلالة على مشروعية القيام في الخطبة . وأول من استراح في الخطبة عثمان ، وأول من خطب جالسًا معاوية . وقرىء: إليهما بالتثنية للضمير ، كقوله تعالى: ) إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا ( ، وتخريجه على أن يتجوّز بأو ، فتكون بمعنى الواو ، وقد تقدّم غير هذا التخريج في قوله: ) فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا ( في موضعه في سورة النساء . وناسب ختمها بقوله: ) وَاللَّهُ خَيْرُ الرزِقِينَ ( ، لأنهم كانوا قد مسهم شيء من غلاء الأسعار ، كما تقدم في سبب النزول ، وقد ملأ المفسرون كثيرًا من أوراقهم بأحكام وخلاف في مسائل الجمعة مما لا تعلق لها بلفظ القرآن .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت