"صفحة رقم 297"
أصحاب الفيل بالطير والحاصب الذي رمتهم به ، ففيه إذكار قريش بهذه القصة ، وأنه تعالى لو شاء لأهلكهم بحاصب ترمي به الطير ، كما فعل بأصحاب الفيل . ) صَافَّاتٍ (: باسطة أجنحتها صافتها حتى كأنها ساكنة ، ( وَيَقْبِضْنَ(: ويضممن الأجنحة إلى جوانبهن ، وهاتان حالتان للطائر يستريح من إحداهما إلى الأخرى . وعطف الفعل على الاسم لما كان في معناه ، ومثله قوله تعالى: ) فَالْمُغِيراتِ صُبْحًا فَأَثَرْنَ( ، عطف الفعل على الاسم لما كان المعنى: فاللاتي أغرن صبحًا فأثرن ، ومثل هذا العطف فصيح ، وعكسه أيضًا جائز إلا عند السهيلي فإنه قبيح ، نحو قوله: بات يغشيها بغضب باتر
يقصد في أسوقها وجائر
أي: قاصد في أسوقها وجائر . وقال الزمخشري: )صَافَّاتٍ (: باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها ، لأنهن إذا بسطنها صففن قوادمها صفًا ، ( وَيَقْبِضْنَ(: ويضمنها إذا ضربن بها جنوبهن . فإن قلت: لم قيل ) وَيَقْبِضْنَ ( ، ولم يقل: وقابضات ؟ قلت: أصل الطيران هو صف الأجنحة ، لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء ، والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها . وأما القبض فطارىء على البسط للاستظهار به على التحرك ، فجيء بما هو طارىء غير أصل بلفظ الفعل على معنى أنهن صافات ، ويكون منهن القبض تارة بعد تارة ، كما يكون من السابح . انتهى . وملخصه أن الغالب هو البسط ، فكأنه هو الثابت ، فعبر عنه بالاسم . والقبض متجدد ، فعبر عنه بالفعل ب ) مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ (: أي بقدرته . قال الزمخشري: وبما دبر لهن من القوادم والخوافي ، وبنى الأجسام على شكل وخصائص قد يأتي منها الجري في الجو ) إِنَّهُ بِكُلّ شَىْء بَصِيرٌ (: يعلم كيف يخلق وكيف يدبر العجائب . انتهى ، وفيه نزوع إلى قول أهل الطبيعة . ونحن نقول: إن أثقل الأشياء إذا أراد إمساكها في الهواء واستعلاءها إلى العرش كان ذلك ، وإذا أراد إنزال ما هو أخف سفلًا إلى منتهى ما ينزل كان ، وليس ذلك معذوقًا بشكل ، لا من ثقل ولا خفة . وقرأ الجمهور: ما يمسكهن مخففًا . والزهري مشددًا .
الملك: ( 20 ) أم من هذا . . . . .
وقرأ الجمهور: ) مِن ( ، بإدغام ميم أم في ميم من ، إذ الأصل أم من ، وأم هنا بمعنى بل خاصة لأن الذي بعدها هو اسم استفهام في موضع رفع على الابتداء ، وهذا خبر ، والمعنى: من هو ناصركم إن ابتلاكم بعذابه ؛
الملك: ( 21 ) أم من هذا . . . . .
وكذلك من هو رازقكم أن أمسك رزقه ، والمعنى: لا أحد ينصركم ولا يرزقكم . وقرأ طلحة: أمن بتخفيف الميم ونقلها إلى الثانية كالجماعة . قال صاحب اللوامح: ومعناه: أهذا الذي هو جند لكم ينصركم ، أم الذي يرزقكم ؟ فلفظه لفظ الاستفهام ، ومعناه التقريع والتوبيخ . انتهى . ) بَل لَّجُّواْ (: تمادوا ، ( فِى عُتُوّ (: في تكبر وعناد ، ( وَنُفُورٍ (: شراد عن الحق لثقله عليهم . وقيل: هذا إشارة إلى أصنامهم .
الملك: ( 22 ) أفمن يمشي مكبا . . . . .
( أَفَمَن يَمْشِى مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ ( ، قال قتادة نزلت مخبرة عن حال القيامة ، وأن الكفار يمشون فيها على وجوههم ، والمؤمنون يمشون على استقامة . وقيل للنبي( صلى الله عليه وسلم ) ): كيف يمشى الكافر على وجهه ؟ فقال: ( إن الذي أمشاه في الدنيا على رجليه قادر أن يمشيه في الآخرة على وجهه ) . فالمشي على قول قتادة حقيقة . وقيل: هو مجاز ، ضرب مثلًا للكافر والمؤمن في الدنيا . فقيل: عام ، وهو قول ابن عباس ومجاهد والضحاك ، نزلت فيهما . وقال ابن عباس أيضًا: نزلت في أبي جهل والرسول عليه الصلاة والسلام . وقيل: في أبي جهل وحمزة ، والمعنى أن الكافر في اضطرابه وتعسفه في عقيدته وتشابه الأمر عليه ، كالماضي في انخفاض وارتفاع ، كالأعمى يتعثر كل ساعة فيخر لوجهه . وأما المؤمن ، فإنه لطمأنينة قلبه بالإيمان ، وكونه قد وضح له الحق ، كالماشي صحيح البصر مستويًا لا ينحرف على طريق واضح الاستقامة لا حزون فيها ، فآلة نظره صحيحة ومسلكه لا صعوبة فيه . و ) مُكِبًّا (: حال من أكب ، وهو لا يتعدى ، وكب متعد ، قال تعالى: ) فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِى النَّارِ ( ، والهمزة فيه للدخول في الشيء أو للصيرورة ، ومطاوع كب انكب ، تقول: كببته فانكب . وقال الزمخشري: ولا