فهرس الكتاب
"صفحة رقم 302"
إذن حرف هجاء كما في سائر مفاتيح السور . انتهى . ومن قال إنه اسم الدواة أو الحوت وزعم أنه مقسم به كالقلم ، فإن كان علمًا فينبغي أن يجر ، فإن كان مؤنثًا منع الصرف ، أو مذكرًا صرف ، وإن كان جنسًا أعرب ، ونون وليس فيه شيء من ذلك فضعف القول به . وقال ابن عطية: إذا كان اسمًا للدواة ، فإما أن يكون لغة لبعض العرب ، أو لفظة أعجمية عربت ، قال الشاعر: إذا ما الشوق برّح بي إليهم
ألقت النون بالدمع السجوم
فمن جعله البهموت ، جعل القلم هو الذي خلقه الله وأمره بكتب الكائنات ، وجعل الضمير في ) يَسْطُرُونَ ( للملائكة . ومن قال: هو اسم ، جعله القلم المتعارف بأيدي الناس ؛ نص على ذلك ابن عباس وجعل الضمير في ) يَسْطُرُونَ ( للناس ، فجاء القسم على هذا المجموع أمر الكتاب الذي هو قوام للعلوم وأمور الدنيا والآخرة ، فإن القلم أخو اللسان ونعمة من الله عامة . انتهى . وقرأ الجمهور: ) ن ( بسكون النون وإدغامها في واو ) وَالْقَلَمِ ( بغنة وقوم بغير غنة ، وأظهرها حمزة وأبو عمرو وابن كثير وقالون وحفص . وقرأ ابن عباس وابن أبي إسحاق والحسن وأبو السمال: بكسر النون لالتقاء الساكنين ؛ وسعيد بن جبير وعيسى: بخلاف عنه بفتحها ، فاحتمل أن تكون حركة إعراب ، وهو اسم للسورة أقسم به وحذف حرف الجر ، فانتصب ومنع الصرف للعلمية والتأنيث ، ويكون ) وَالْقَلَمِ ( معطوفًا عليه . واحتمل أن يكون لالتقاء الساكنين ، وأوثر الفتح تخفيفًا كأين ، وما يحتمل أن تكون موصولة ومصدرية ، والضمير في ) يَسْطُرُونَ ( عائد على الكتاب لدلالة القلم عليهم ، فإما أن يراد بهم الحفظة ، وإما أن يراد كل كاتب . وقال الزمخشري: ويجوز أن يراد بالقلم أصحابه ، فيكون الضمير في ) يَسْطُرُونَ ( لهم ، كأنه قيل: وأصحاب القلم ومسطوراتهم أو وتسطيرهم . انتهى . فيكون كقوله: ) كَظُلُمَاتٍ فِى بَحْرٍ لُّجّىّ (: أي وكذي ظلمات ، ولهذا عاد عليه الضمير في قوله: ) يَغْشَاهُ مَوْجٌ ).
وجواب القسم: ) مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبّكَ بِمَجْنُونٍ ). ويظهر
القلم: ( 2 ) ما أنت بنعمة . . . . .
أن ) بِنِعْمَةِ رَبّكَ ( قسم اعترض به بين المحكوم على ه والحكم على سبيل التوكيد والتشديد والمبالغة في انتفاء الوصف الذميم عنه( صلى الله عليه وسلم ) ) . وقال ابن عطية: ) بِنِعْمَةِ رَبّكَ ( اعتراض ، كما تقول للإنسان: أنت بحمد الله فاضل . انتهى . ولم يبين ما تتعلق به الباء في ) بِنِعْمَتِ ). وقال الزمخشري: يتعلق ) بِمَجْنُونٍ( منفيًا ، كما يتعلق بعاقل مثبتًا في قولك: أنت بنعمة الله عاقل ، مستويًا في ذلك النفي والإثبات استواءهما في قولك: ضرب زيد عمرًا ، وما ضرب زيد عمرًا تعمل الفعل مثبتًا ومنفيًا إعمالًا واحدًا ، ومحله النصب على الحال ، كأنه قال: ما أنت بمجنون منعمًا عليك بذلك ، ولم تمنع الباء أن يعمل مجنون فيما قبله لأنها زائدة لتأكيد النفي ، والمعنى: استبعاد ما كان ينسبه إليه كفار مكة عداوة وحسدًا ، وأنه من إنعام الله تعالى عليه بحصافة العقل والشهامة التي يقتضيها التأهيل للنبوة بمنزلة . انتهى .
وما ذهب إليه الزمخشري من أن )بِنِعْمَةِ رَبّكَ ( متعلق ) بِمَجْنُونٍ ( ، وأنه في موضع الحال ، يحتاج إلى تأمل ، وذلك أنه إذا تسلط النفي على محكوم به ، وذلك له معمول ، ففي ذلك طريقان: أحدهما: أن النفي يتسلط على ذلك المعمول فقط ، والآخر: أن يتسلط النفي على المحكوم به فينتفي معموله لانتفائه بيان ذلك ، تقول: ما زيد قائم مسرعًا ، فالمتبادر إلى الذهن أنه منتف إسراعه دون قيامه ، فيكون قد قام غير مسرع . والوجه الآخر أنه انتفى قيامه فانتفى إسراعه ، أي لا قيام فلا إسراع ، وهذا الذي قررناه لا يتأتى معه قول الزمخشري بوجه ، بل يؤدي إلى مالا يجوز أن ينطق به في حق المعصوم( صلى الله عليه وسلم ) ) . وقيل معناه: ما أنت بمجنون والنعمة بربك لقولهم: سبحانك اللهم وبحمدك ، أي والحمد لله ، ومنه قول لبيد: