"صفحة رقم 341"
وقال مكي: هو أجود في أن منه في غيرها لكثرة حذف حرف الجر مع أن . وقال الزجاج: وجهه أن يكون محمولًا على آمنا به ، لأنه معناه: صدقناه وعلمناه ، فيكون المعنى: فآمنا به أنه تعالى جد ربنا ؛ وسبقه إلى نحوه الفراء قال: فتحت أن لوقوع الإيمان عليها ، وأنت تجد الإيمان يحسن في بعض ما فتح دون بعض ، فلا يمنعك ذلك من إمضائهن على الفتح ، فإنه يحسن فيه ما يوجب فتح أن نحو: صدقنا وشهدنا .
وأشار الفراء إلى أن بعض ما فتح لا يناسب تسليط آمنا عليه ، نحو قوله: ) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ( ، وتبعهما الزمخشري فقال: ومن فتح كلهن فعطفًا على محل الجار والمجرور في آمنا به ، كأنه قيل: صدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا ، وأنه كان يقول سفيهنا ، وكذلك البواقي . انتهى . ولم يتفطن لما تفطن له الفراء من أن بعضها لا يحسن أن يعمل فيه آمنا . وقرأ الجمهور: ) جَدُّ رَبّنَا ( ، بفتح الجيم ورفع الدال ، مضافًا إلى ربنا: أي عظمته ، قاله الجمهور . وقال أنس والحسن: غناه . وقال مجاهد: ذكره . وقال ابن عباس: قدره وأمره . وقرأ عكرمة: جد منوبًا ، ربنا مرفوع الباء ، كأنه قال: عظيم هو ربنا ، فربنا بدل ، والجد في اللغة العظيم . وقرأ حميد بن قيس: جد بضم الجيم مضافًا ومعناه العظيم ، حكاه سيبويه ، وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف ، والمعنى: تعالى ربنا العظيم . وقرأ عكرمة: جدًا ربنا ، بفتح الجيم والدال منونًا ، ورفع ربنا وانتصب جدًا على التمييز المنقول من الفاعل ، أصله ) تَعَالَى جَدُّ رَبّنَا ). وقرأ قتادة وعكرمة أيضًا: جدًا بكسر الجيم والتنوين نصبًا ، ربنا رفع . قال ابن عطية: نصب جدًا على الحال ، ومعناه: تعالى حقيقة ومتمكنًا . وقال غيره: هو صفة لمصدر محذوف تقديره: تعاليا جدًا ، وربنا مرفوع بتعالى . وقرأ ابن السميفع: جدي ربنا ، أي جدواه ونفعه . وقرأ الجمهور: ) يَقُولُ سَفِيهُنَا(: هو إبليس . وقيل: هو اسم جنس لكل سفيه ، وإبليس مقدم السفهاء . والشطط: التعدي وتجاوز الجد . قال الأعشى: أينتهون ولن ينهى ذوو شطط
كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل
ويقال: أشط في السوم إذا أبعد فيه ، أي قولا هو في نفسه شطط ، وهو نسبة الصاحبة والولد إلى الله تعالى . )وَأَنَّا ظَنَنَّا ( الآية: أي كنا حسنا الظن بالإنس والجن ، واعتقدنا أن أحدًا لا يجترىء على أن يكذب على الله فينسب إليه الصاحبة والولد ، فاعتقدنا صحة ما أغوانا به إبليس ومردته حتى سمعنا القرآن فتبينا كذبهم . وقرأ الجمهور: ) أَن لَّن تَقُولَ ( مضارع قال ؛ والحسن والجحدري وعبد الرحمن بن أبي بكرة ويعقوب وابن مقسم: تقول مضارع تتقول ، حذفت إحدى التاءين وانتصب ) كَذِبًا ( في قراءة الجمهور بتقول ، لأن الكذب نوع من القول ، أو على أنه صفة لمصدر محذوف ، أي قولا كذبًا ، أي مكذوبًا فيه . وفي قراءة الشاذ على أنه مصدر لتقول ، لأنه هو الكذب ، فصار كقعدت جلوسًا .
الجن: ( 6 ) وأنه كان رجال . . . . .
( وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ ) . روى الجمهور أن الرجل كان إذا أراد المبيت أو الحلول في وادٍ نادى بأعلى صوته: يا عزيز هذا الوادي إني أعوذ بك من السفهاء الذين في طاعتك ، فيعتقد بذلك أن الجني الذي بالوادي يمنعه ويحميه . فروي أن الجن كانت تقول عند ذلك: لا نملك لكم ولا لأنفسنا من الله شيئًا . قال مقاتل: أول من تعوذ بالجن قوم من اليمن ، ثم بنو حنيفة ، ثم فشا ذلك في العرب . والظاهر أن الضمير المرفوع في ) فَزَادوهُمْ ( عائد على ) رِجَالٌ مّنَ الإِنسِ ( ، إذ هم المحدث عنهم ، وهو قول مجاهد والنخعي وعبيد بن عمير . ) فَزَادوهُمْ ( أي الإنس ، ( رَهَقًا (: أي جراءة وانتخاءً وطغيانًا وغشيان المحارم وإعجابًا بحيث قالوا: سدنا الإنس والجن ، وفسر قوم الرهق بالإثم . وأنشد الطبري في ذلك بيت الأعشى: لا شيء ينفعني من دون رؤيتها
لا يشتفي وامق ما لم يصب رهقًا