وأما المسألة الثانية ففيها وإن استحلفه بعد علمه بالبينة تاركًا لها وهي حاضرة أو غائبة فلا حق له. عياض: والأكثر أن معنى تاركًا؛ أي: تاركًا للقيام بها مع علمه، وقال آخرون: مصرحًا بترك القيام، ونقل ابن يونس عن ابن نافع أنه روى عن مالك أنه إذا حلفه وبينته حاضرة وهو عالم بها فله القيام بها بعد ذلك، وقاله أشهب في غير كتاب، وذكر المازري أن بعض المتأخرين خرج الخلاف في الصلح على الخلاف في مسألة الاستحلاف كما أشار إليه المصنف.
خليل: وقد ذكرنا القولين منصوصين فلا حاجة إلى التخريج.
وَلَوْ كَانَتْ غَائِبَةً وَشَرَطَ الْقِيَامَ بِهَا فَلَهُ ذَلِكَ
وفي بعض النسخ عوض (غَائِبَةً) (بعيدة) ، وكذلك هو في المازري، وهو الأظهر؛ لأن القريبة في حكم الحاضرة؛ يعني إذا صالح لتعذر بينته وشرط القيام بها، وحكى المصنف الاتفاق تبعًا للمازري، وكذلك قال ابن يونس. وقال ابن يونس: لا ينبغي أن يختلف فيه.
فإن قيل: يعارض هذا القول ما وقع لابن القاسم فيمن أخر من له دين عليه بشرط أنه متى ادعى القضاء لم يستحلفه، واصطلح على ذلك أن هذا الصلح لا يلزم، ومتى ادعى المديان القضاء كان له استحلاف الطالب، وقيل: لا؛ فالفرق أن اشتراط إسقاط اليمين خلاف ما يوجبه الشرع فلم يوفِ له بشرطه، وذكروا في المذهب أن الخصمين لو اصطلحا على إسقاط البينة أو على أن المدعي عليه إن نكل عن اليمين غرم الحق من غير أن يرد اليمين على المدعي أن ذلك ماضٍ، فعارض المازري بين هذا وبين ما قبله؛ لأن كون النكول يوجب الغرامة من غير رد اليمين على المدعي خلاف الشرع. وأجاب ابن عبد السلام بأن إسقاط اليمين يئول إلى سلف جر منفعة، فلا يلزم بل ولا يجوز ابتداء،