وَيُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِمَا يُسْتَخْلَفُ فِيهِ
الضمير في (عِلْمُهُ) عائد على المستخلف بفتح اللام، المفهوم من السياق، يعني: أنه لا يشترط في خليفة القاضي أن يكون عالمًا بجميع أبواب الفقه، بل إنما يشترط علمه بما يستخلف فيه، مثاله: لو استخلف على النظر بين الزوجين فيشترط علمه بالأنكحة وما يتعلق بها، إلا أن يفوض إليه فيشترط علمه بالجميع كما في الأصل.
وَلِلإِمَامِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يَرَى غَيْرَ رَايِهِ فِي الاجْتِهَادِ وَفِي التَّقْلِيدِ، وَلَوْ شَرَطَ الْحُكْمَ بِمَا يَرَاهُ كَانَ اشْتِرَاطًا بَاطِلًا، وَالتَّوْلِيَةُ صَحِيحَةٌ. قَالَ الْبَاجِيُّ: كَانَ فِي سِجِلَّاتِ قُرْطُبَةَ وَلا يَخْرُجُ عَنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا وَجَدَهُ
(لِلإِمَامِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يَرَى غَيْرَ رَايِهِ) كالمالكي يولي شافعيًَّا أو حنفيًَّا. ولو شرط- أي الإمام- على القاضي الحكم بما يراه الإمام من مذهب معين أو اجتهاد له كان الشرط باطلًا وصح العقد، هكذا نقله في الجواهر عن الطرطوشي.
وقال غيره: العقد غير جائز، وينبغي فسخه ورده؛ لكونه صار مأمورًا بمخالفة الحق، وهذا إنما هو إذا كان القاضي مجتهدًا. وكذا فرض المازري المسألة فيه ثم قال: وإن كان الإمام مقلدًا أو كان متبعًا لمذهب مالك واضطر إلى ولاية قاض مقلد- لم يَحْرُمْ على الإمام أن يأمره أن يقضي بين الناس بمذهب مالك، ويأمره ألا يتعدى في قضائه مذهب مالك؛ لما يراه من المصلحة في أن يقضي بين الناس بما عليه أهل الإقليم والبلد الذي هذا القاضي منه، وولي عليهم، وقد وَلَّى سحنون لما ولي القضاء أمناء وكان فيمن ولاه رجل سمع كلام بعض أهل العراق فأمره سحنون ألا يتعدى الحكم بمذهب أهل المدينة.
وقوله: (قَالَ الْبَاجِيُّ) هكذا نقله الطرطوشي عن الباجي.
الطرطوشي: وهو جهل عظيم منهم؛ يريد: لأن الحق ليس في شيء معين.