الصفحة 11 من 89

3 -الحرب،

فلما دخلت رسل المسلمين إلى المقوقس، وعلى رأسهم عبادة، هابه المقوقس لسواده وفرط طوله، وقال: (نحُّوا عني ذلك الأسود، وقدموا غيره يكلمني) ، فقال الوفد جميعًا: (إن هذا الأسود أفضلنا رأيًا وعلمًا، وهو سيدنا وخيرنا والمقدم علينا، وإنما نرجع جميعًا إلى قوله ورأيه، وقد أمَّره الأمير دوننا لما أمره، وأمرنا ألا نخالف رأيه وقوله) .

ثم قالوا-وكان قولهم عجيبًا عند المقوقس-: (إن الأسود والأبيض سواء عندنا، لا يفضل أحد أحدًا إلا بفضله، وعقله، وليس بلونه) [1] .

فقال عبادة-رضي الله عنه-: (إن فيمن خلفتُ من أصحابي ألف رجل أسود، كلهم أشد سوادًا مني، وإني ما أهاب مائة رجل من عدوي، لو استقبلوني جميعًا، وكذلك أصحابي، وذلك إنما رغبتنا وهمتنا في الجهاد في الله، واتباع رضوانه، وليس غزوُنا عدوَّنا ممن حارب الله لرغبة في دنيا، ولا طلبٍ للاستكثار منها، لأن غاية أحدنا من الدنيا أكلة يسد بها جوعه لليله ونهاره، وشملة يلتحفها، لأن نعيم الدنيا ليس بنعيم، ورخاءها ليس برخاء، إنما النعيم والرخاء في الآخرة، وبذلك أمرنا الله، وأمرنا به نبينا، وعهد إلينا ألا تكون همة أحدنا من الدنيا إلا ما يمسك جوعته ويستر عورته، وتكون همته وشغله في رضوانه وجهاد عدوه) [2] .

فلما سمع المقوقس كلام الصحابي البطل عبادة بن الصامت، قال لأصحابه: (هل سمعتم مثل كلام هذا الرجل .. إن هذا وأصحابه قد أخرجهم الله لخراب الأرض-يعني خراب الكفر) .

ثم أقبل على عبادة، أراد أن يسلك معه طريق الإرهاب المغلف في قالب من النصح، فقال له: (أيها الرجل الصالح! قد سمعت مقالتك وما ذكرتَ عنك وعن أصحابك، ولعمري ما بلغتم وما ظهرتم على من ظهرتم عليه،

(1) -انظر: (الخطط) (1/ 292) للمقريزي، و (علو الهمة) (ص:78/ 83) للشيخ محمد أحمد إسماعيل المقدم.

(2) -انظر: (الخطط) (1/ 293) للمقريزي، و (علو الهمة) (ص:82/ 83) للشيخ محمد أحمد إسماعيل المقدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت