الصفحة 14 من 89

3 -... وجاء سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - حتى نزل (القادسية) [1] ومعه الناس، ولا يزيد المسلمون على سبعة آلاف أو: نحو من ذلك، والمشركون يبلغون ثلاثين ألفًا أو: نحوًا من ذلك، ونبال المسلمين وعُدتهم موضع سخرية أهل فارس، وجعلوا يشبهونها بالمغازل، فيقولون:"دوك، دوك"، ويقولون للمسلمين ضاحكين ومزدرين إياهم: (لا يدي لكم ولا قوة ولا سلاح! ما جاء بكم؟ ارجعوا!) .

ولما أُدخِل وفد المسلمين على كسرى يزدجرد جعل أهل فارس يسوؤهم ما يرون من حالهم وحال خيلهم، فلما دخلوا على يزدجرد أمرهم بالجلوس، وكان سيئ الأدب، فكان أول شيء دار بينه وبينهم أن أمر الترجمان بينه وبينهم، فقال:"سلهم ما يسمون هذه الأردية؟"، فكان يلقى منهم أجوبة يتطير منها ...

ولما عرض النعمان بن المقرن دعوة الإسلام على كسرى، قال الأخير:"إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى، ولا أقل عددًا، ولا أسوأ ذات بينٍ منكم، قد كنا نوكِّل بكم قرى الضواحي فيكفونناكم، لا تغزوا فارس، ولا تطمعوا أن تقوموا لهم، فإن كان عدد لَحِقَ فلا يغرنكم منا، وإن كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قُوتًا إلى خصبكم، وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم، وملَّكنا عليكم ملكًا يرفق بكم"، فأسكت القوم، فقام المغيرة بن زرارة الأسيدي.

فقال: (أيها الملك! إنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالمًا، فأما ما ذكرت من سوء الحال، فما كان أسوأ حالًا منا، وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع، كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات، فنرى ذلك طعامنا.

وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض، ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم، ديننا: أن يقتل بعضنا بعضًا، ويغير بعضنا على بعض، وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية، كراهة أن تأكل من طعامنا، فكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرتُ لك، فبعث الله إلينا رجلًا معروفًا، نعرف نسبه، ونعرف وجهه ومولده، فأرضه خير أرضنا، وحسَبه خير أحسابنا، وبيته أعظم بيوتنا، وقبيلته خير قبائلنا، وهو بنفسه كان خيرنا في الحال التي كان فيها

(1) -انظر: (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام) (2/ 84/85) تحقيق: بشار عواد. دار الغرب الإسلامي الطبعة الأولى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت