ثم إن كسرى بعث أهل فارس بعددهم وعُدَدهم وعلى رأسهم رستم، حتى إذا نزل رستم"بالعقيق"على منقطع معسكر المسلمين، راسل"زهرة"فخرج إليه حتى واقفه، فأراده أن يصالحهم، ويجعل له جعلًا-الجُعْل، والجِعالة: ما جعله له على عمله من أجر، أو: رشوة-على أن ينصرفوا عنه، وجعل يقول: أنتم جيراننا، وقد كانت طائفة منكم في سلطاننا ... ).
فقال له زهرة: (صدقت، قد كان ما تذكر، وليس أمرنا أمر أولئك ولا طِلبتنا، إنا لم نأتكم لطلب الدنيا، إنما طِلبتنا وهمتنا: الآخرة، كنا كما ذكرت، يدين لكم مَن ورد عليكم منا، ويضرع إليكم يطلب ما في أيديكم، ثم بعث الله تبارك وتعالى إلينا رسولًا، فدعانا إلى ربه، فأجبناه، فقال لنبيه-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-:(إني قد سلطت هذه الطائفة على من لم يَدِنْ بديني، فأنا منتقم بهم منهم، وأجعل لهم الغلبة ما داموا مقرين به، وهو دين الحق، لا يرغب عنه أحد إلا ذَلَّ، ولا يعتصم به أحد إلا عَزَّ) .
فقال له رستم: (وما هو؟) ، قال: (أما عموده الذي لا يصلح منه شيء إلا به، فشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، والإقرار [1] بما جاء من عند الله تعالى، قال:"ما أحسن هذا! وأي شيء أيضًا؟"، قال:(وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله تعالى) ، قال: (حسن، وأي شيء أيضًا؟) ، قال: (والناس بنو آدم وحواء، إخوة لأب وأم) ، قال: (ما أحسن هذا!) .
ثم قال رستم: (أرأيت لو أني رضيت بهذا الأمر، وأجبتكم إليه، ومعي قومي، كيف يكون أمركم؟ أيرجعون؟) ، قال: (إي والله، ثم لا نقرب بلادكم أبدًا إلا في تجارة أو: حاجة) ، قال: (صدقتني والله، أما إن أهل فارس منذ ولي"أردشير"لم يَدَعُوا أحدًا يخرج من عمله من السِّفلة كانوا يقولون:(إذا خرجوا من أعمالهم تعدوا طورهم، وعادوا أشرافهم) .
(1) -الإقرار لغة: الإثبات، من قر الشيء أي: ثبت، واصطلاحًا: أخبار الشخص بحقٍّ عليه. انظر: (الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة) (ص:74) للقاضي زكرياء بن محمد الأنصاري.