(الفصل في الملل والأهواء والنحل) في أواخر باب: (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) : (لو اجتمع أهل الحق ما قاوَمَهم أهلُ الباطل) .
ولهذا كان كلامهم حول مفهوم قطرية الجهاد مثبجًا مضطربًا، فدخلوا إلى صفحة يبصق عنها التاريخ، عند ما كتبوا ما يكون سوادًا قائمًا في صحيفتهم يوم يلقون ربهم، على أنها ليست أول قارورة تكسر في بلاد الشام: (ينتقدون دون أن يعرفوا، ويعترضون دون أن يفهموا، يعتقدون ثم يستدلون لا العكس، وكل من اعتقد ثم استدل ضل، ويجهلون أن الوصف ينبغي أن يكون ملازمًا، وأما الوصف العارض فلا يعتبر) ، لا تعريف، ولا توظيف، ولا توصيف:
إن دام هذا ولم يَحدُث له غِيَرٌ * لم يُبكَ ميْتٌ ولم يُفرح بمولودٍ
كتبوا ما سُجِّل عليهم بمداد السخط والنقمة، (شُبَهٌ تلقيها حمالة الحطب) ، حتى أصبحوا مضرب المثل في سقوط الهمة، (والطير يلعب والعصفور في ألم) .
فهذا الفكر المنحر-هنا وهناك وهنالك-أصبح معدنًا ولكن للجهل والجهالة، ومنبعًا ولكن للضرر والأوضار، مما ينبك عن مبلغ المسخ والانهزام الذي وقع فيه أولئك المنحرفون، لا أدري لماذا يسخو المرء بخراب عقيدته، وبيع دينه مجانًا، مما يجعل العلماني والمائع وغيرهما ينشرون جهالاتهم ودعاويهم البالية معاندين ودفعًا وهدمًا للحق بصدر مكشوف، والمعاند لا تنفع معه حجة، والمصائب والنكبات كما يكون سببها الذنوب والعناد، كذلك يكون سببها السكوت والحيدة والحياد، وقد يصبح السكوت-مع العلم والقدرة-من أخطر معاول الهدم والهلاك والخراب والدمار، فاحذر أن يستدرجك الله فيأخذك أخذ عزيز مقتدر، والوقاية والخلاص من هذا كله: متوقف على البلاغ والإنذار، ولا سيما: (عند ما يصبح أبو جهل بطلًا قوميًا) ، نفوسٌ تؤخذ منها دروس-سلبًا أو: إيجابًا، ونفيًا أو: إثباتًا-أمم سادت ثم أهلكتها المعصية والأفكار المنحرفة، والفكر الشاذ لا يموت أبدًا ولا يتوب، وإن تاب صاحبه وخُتم له بالحسنى، وقد تصبح نهايته مشرقة بعد أن كانت محرقة، و (العبرة بالخواتم) ، وصاحب الفكر