الصفحة 67 من 89

ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصُبُر في الحرب، صُدق في اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تَقَرَّ به عينك، فسِرْ بنا على بركة الله.

وفي رواية: أن سعد بن معاذ قال لرسول الله-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-: لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقًا عليها ألا تنصرك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم: فاظعن حيث شئت، وصِلْ حَبْل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرت فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك، فهو الله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غِمْدان لنسيرن معك، ووالله لئن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك.

فَسُرَّ رسول الله-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-بقول سعد، ونشطه ذلك، ثم قال: (سيروا وأبشروا، فإن الله تعالى قد وعدنى إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم) .

ومن هنا نفهم النكتة في أن الرسل تبعث بلسان قومها ومنة الله على المؤمنين أن بعث فيهم رسولًا من أنفسهم مع أن نبينا محمد-عليه الصلاة والسلام-للعالمين [1] كافة ولكن لا تعارض حقيقة بين الأمرين كما لا تعارض بين القطرية في الجهاد وعالمية الدعوة لأن تنفيذ هذه العالمية يحتاج إلى واقعية القطرية قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (سورة إبراهيم، رقم الآية:4) .

قال سيد قطب في: (ظلال القرآن) (4/ 388 - بترقيم الشاملة آليا) : (وحقيقة إن الرسول قد بعث برسائله إلى خارج الجزيرة يدعو إلى الإسلام، تصديقًا لرسالته إلى الناس كافة، ولكن الذي قدره الله له، والذي يتفق مع طبيعة

(1) -قال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي: (والعالمين، جمع عالم، وهو اسم لكل ما سوى الله، والعالم يطلق على سائر الخلائق، وقيل: يطلق على القلاء خاصة، وقيل: يطلق على كل حي، وقيل: يختص بسكان السماء، وقد نظم هذه المعاني الإمام عبد العزيز بن سعيد الدميري في:(التيسير في التفسير) (1/ 11) قائلًا:

والعالَم الموجود غير الخالق * والعالمين سائر الخلائق

وقيل: بل خَصَّص أهلَ العقل * وقيل: بل لكل حَيٍّ يَجلِي

وقيل: يَختص بسكان السما * والأول المشهور عند العلما

كذا في: (غريب القرآن) (ص:168) للسجستاني، و (المفردات) (ص:344) للراغب).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت