{خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) } (سورة الأعراف، رقم الآية: 199) ، قال القاسمي في: (محاسن التأويل) (5/ 242) :
(قال بعض العلماء: إن سر الشريعة في الطباع والعادات، هو تأييد المستحسن ومحو المستقبح، وإليه الإشارة بقوله تعالى: وَامُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ فإن المعروف ما عرفته الطباع السليمة واستحسنته، والمنكر ما أنكرته واستقبحته، ذلك لأن غاية الشريعة راحة الخلق على حال ونظام معقولين، فلا يصح الحكم بتوحيد العادات في كل البلاد ... ) .
ولذلك قرر العلماء عدم مخالفة لباس أهل البلد لأن السنة ليست في لبس نفس ثياب النبي بل: موافقة عادات الناس كما وافق النبي عادة قومه فواعجبًا من دأب بعض المجاهدين على مخالفة أهل البلد بلباسهم و شعورهم رغبة بالتميز، جاء في: (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين) (5/ 262) : (فالراجح من أقوال أهل العلم أن إطلاق الشعر من الأمور العادية إن اعتادها الناس فعلت وإلا فلا، ولو لبس الإنسان لباسا يخالف العادة ولكنه غير محرم شرعا فلا ينبغي لئلا يكون لباس شهرة، ولباس الشهرة هو الذي يشتهر به الإنسان) .
وفي: (لقاءات الباب المفتوح) (32/ 12) لابن عثيمين-رحمه الله تعالى-: (رأينا أن هذا القول يحتاج إلى تعمق في الفقه، وذلك أن النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-لبس العمامة، ولبس الإزار، ولبس الرداء؛ لأن الناس كانوا يلبسونه، ومعنى ذلك: أن لبس ما اعتاده الناس ولم يكن محرمًا بعينه فهو سنة، أما ما كان محرمًا بنوعه كالحرير للرجال، أو: بصفته كلبس الرجال ما ينزل عن الكعب؛ فهذا لا يجوز ولو اعتاده الناس، لكن ما كان مباحًا وكان من عادة الناس؛ فإن السنة أن تلبس كما يلبسون؛ لأنك لو خرجت عن ذلك لصار شُهرة، ولا يمكن لأي إنسان أن يأتي بدليل على أن الرسول أمر بالعمامة، ولو أمر بها لعلمنا أنها عبادة؛ لأن كل ما أمر به الرسول-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-فهو عبادة إلا في أشياء دل الدليل على أنها للإباحة، ولكن لا يوجد أي حديث يأمر بلبسها، إنما هي من فعل الرسول؛ لأن الناس كانوا يعتادون هذا، وقل لهؤلاء الإخوة: إذًا البسوا إزارًا ورداءً؛ لأن الرسول-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-كان يلبس إزارًا ورداءً ويلبس القميص أحيانًا.
فنقول للإخوة: إن فعلكم هذا شهرة ولا سيما إذا كان في المناسبات، وكأن الفاعل يقول للناس: انظروا إليَّ فإني أنا صاحب السنة، ومن ليس عليه هذا اللباس؛ فليس على السنة، هذا لسان حاله؛ وإن لم يذكره بلسان مقاله.