الثامنة والثلاثون: أن لتحريم التصوير علة أخرى وهي أن التصوير ذريعة إلى تعظيم الصور وعبادتها من دون الله، كما قد وقع ذلك لقوم نوح وللنصارى وغيرهم من المشركين. والذرائع لها حكم الغايات كما هو مقرر عند الأصوليين، والدليل على أن الصور كانت تعبد من دون الله ما رواه الإمام أحمد والترمذي وابن خزيمة في كتاب (التوحيد) من حديث العلاء بن عبد الرحمن مولى الحرقة عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ? قال: «يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ فَيَقُولُ أَلا لِيَتْبَع كُلُّ أُنَاسٍ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَُ. فَيُمَثَّلُ لِصَاحِبِ الصَّلِيبِ صَلِيبُهُ وَلِصَاحِبِ التَّصَاوِيرِ تَصَاوِيرُهُ وَلِصَاحِبِ النَّارِ نَارُهُ فَيَتْبَعُونَ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ» . الحديث. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
التاسعة والثلاثون: أن لتحريم التصوير علة ثالثة وهي التشبه بالنصارى والمشركين وإتباع سننهم، وقد ثبت عن النبي ? أنه قال: «من تشبه بقوم فهو منهم» . وكل واحدة من العلل الثلاث المذكورة في هذه الفائدة والفائدتين قبلها تكفي وحدها في تحريم التصوير فكيف وقد اجتمعت العلل الثلاث فيه، وهذا مما يزيد التحريم شدة.
الأربعون: قال القرطبي في الكلام على قول الله تعالى في سورة النمل: {مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا} قد يستدل من هذا على منع تصوير شيء سواء كان له روح أو لم يكن، وهو قول مجاهد ويعضده قوله ?: (قُالُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أَوْ ليَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً) فعم بالذم والتهديد والتقبيح كل من تعاطى تصوير شيء مما خلقه الله وضاهاه في التشبيه في خلقه فيما انفرد به سبحانه من الخلق والاختراع. وهذا واضح.