فهرس الكتاب
نعم؛ لو قابلَهُ أحدٌ من الأراذلِ، وواحدٌ ممَّن يوسمُ بالجاهلِ، ومَن ليسَ له نصيبٌ من العلمِ، وشرافةِ النَّسبِ، لسبَّ وسبَّ، وكَرِبَ وغَضِبَ، وانتقمَ منه بالفُحْشِ والشَّتمِ، واقتحمَ عليهِ كاقتحامِ الهمِّ والغمِّ، وحَصَرَهُ وسَجَنَهُ، وعاقبَهُ وضغطَهُ، وكهرَهُ (1) وزجرَهُ، وصارعَهُ وشاتمَهُ, حذوَ النَّعلِ، ففرَّ منهُ إلى موضعٍ لم يجدْهُ مفرًا، ونادى هل (2) من مغيثٍ يغيثنا؟! وهل ناصرٍ يَنْصُرنا، ويَدْفَعُ عنَّا شرًا؟!
وإنِّى عاملٌ بما أمرَ به اللهُ به عبادَهُ من الصَّفحِ عن الأمرِ الجاهليِّ، ومتمثلًا بقول أبي الأسودِ الدّيلي (3) :
وإنِّى لَيَنْهَانِي عن الجَهْلِ والخَنَا
وعن شَتْمِ أقوامٍٍ خلائقُ أربعُ
حياءٌ وإسلامٌ وتقوى وإنني
كريمٌ ومثلي مَن يَضُرُّ ويَنْفَعُ
فشتّانَ ما بيني وبينكَ إنَّني
على كلِّ حالٍ استقيمُ وتضلعُ
ولنعم ما قيلَ:
خذْ العفوَ وأمرْ بالعُرْفِ كما
أُمِرْتَ وأَعْرِضْ عن الجاهلين
ولِنْ في الكلامِ لكلِّ الأنامِ
فمستحسنٌ من ذوي الجاهِ لين
(1) الكَهْرُ: الانتهارُ. وفي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه: {فأما اليتم فلا تكهر} ، قال الكسائي: كَهَرَه وَقَهَرَه بمعنىً. (( الصحاح ) ) (2: 415) .
(2) في الأصل (( بل ) ).
(3) هو ظالم بن عمرو بن سفيان بن جَنْدَل بن يَعْمُر بن حِلْس بن نفاثة بن عَدي بن الدِّيل بن بكر الدِّيلي، ويقال: الدُّؤلي، المشهور بأبي الأسود الدُّؤلي، تابعيًا صحب علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو أول من وضع النحو، والدِّيلي: بكسر الدال، وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها لام، والدُّؤلي: بضم الدال المهملة، وفتح الهمزة وبعدها لام، هذه النسبة إلى الدِّئل بكسر الهمزة، وهي قبيلة من كنانة، والدِّئل: اسم دابة بين ابن عِرْس، والثَّعلب، (ت69هـ) .. انظر: (( معجم الأدباء ) ) (12: 34-38) . (( وفيات ) ) (2: 535-539) . (( الأعلام ) ) (3: 340) .