فهرس الكتاب
وأمَّا المقدِّمةُ التي مهَّدها للإصلاحِ، فلا تفيدُ شيئًا منَ الإصلاحِ، وهي وإن كانتْ في زعمِهِ كحائطِ العجوزِ فلا تنفعُ من قضاءِ التِّمساحِ (1) ، وكيفَ يُصلحُ العطَّارُ ما أفسدَُ الدَّهرُ، وكيفَ يصلحُ البيطارُ ما غلبَ عليهِ الضُّرُّ والشَّرُّ.
وذلكَ لأنَّ وجودَ الاختلافِ والوهمِ والاختلاطِ والسَّقمِ في كتبِ التَّاريخِ، بل وفي غيرِها أيضًا من دفاترِ العلمِ، وإن كانَ غيرَ مُسْتَنْكَرٍ، عندَ أربابِ النَّظرِ، لكن مَن له بصيرةٌ وبصارةٌ، يتفكَّرُ ويتبصَّرُ، ويذكرُ ما ترجَّحَ من الأقوالِ المختلفةِ بالحججِ العقليةِ أو النَّقليةِ، ويطرحُ ما يكونُ من الأقوالِ المغسولةِ، والآراءِ المرذولةِ، أو يذكرُ القولَ المشهورَ، والذي مالَ إليه الجمهورُ، ويتركُ ما خالفَ الجمهورُ، فإن لم يكن ذلكَ، ولا هذا، يذكرُ أقوالًا مختلفةً، إشارةً إلى أنَّه ُوقعَ فيه الاختلافُ، ولم يترجَّحْ شيءٌ منها بأحدِ الوجوهِ المقرَّرةِ.
وأمَّا مَن ليسَ له تمييزٌ بين الصِّحَّةِ والسَّقمِ، ولا رُزِقَ قوةَ الحفظِ والفَهْمِ، فهو يكتبُ ما يَجِدُ، وينقلُ ما يَجِدُ، ويختارُ في موضعٍ قولًا، وفي موضعٍ آخرَ قولًا، ولا يُبالي بذكرِ ما شَهِدَ العِيانُ ببطلانِهِ، أو أيقنَ الجَنَانُ بخسرانِهِ.
(1) هو من المباني العجيبة، بنتها عجوزة اسمها دلوكًا القبطية، وسببه أنها ولدت ولدًا، فأخذت له الرَّصدَ، فقيل لها: يخشى عليه من التمساح، فلما شبَّ الغلام خافت عليه فبنت له الحائط في مصر، ثم إنَّها أرادت أن تخوفَ وَلَدَها من التِّمساح حتى لا ينزلَ البحرَ فصورت له التمساح شكلًا مهولًا فأذهله وأخذه الهمُّ والفزعُ إلى أن مات، كذا في (( المستطرف ) ).أ.