الصفحة 176 من 792

وهذا الذي يعاتبُهُ العلماءُ على ما ارتكبَهُ، ويتعقَّبُهُ الفضلاءُ بما كسبَهُ، ويردُّوَنَهُ، ويجهِّلُونَهُ، ويخرِّجُونَهُ من عدادِ الماهرينَ، ويدخلونَهُ في أعداد الغافلين، ويعيِّبونَ عليه هذا الوصفَ القبيحَ، والصُّنعَ الشَّنيعَ، ويطعنونَ عليهِ بأنَّ في مثلِ هذا تخريبًا للطَّلبةِ، وإفسادًا للجهلةِ.

ويَوْسِمُونَهُ بأنَّهُ: حاطبُ اللَّيلِ، لا يعرفُ الرّجلَ من الخيلِ، ولا يفرِّقُ بين الوادي والسَّيلِ، ولا يميِّزُ بين الكُمِّ والذَّيلِ، فالويلُ لهُ كلُّ الويلِ، ويلقِّبونَهُ بأنَّهُ جامعُ الغثِّ والسَّمينِ، لا يعرفُ الشِّمالَ من اليمينِ، ولا المكانِ من المكينِ، ولا يدركُ الفرقَ بين الجوادِ والضَّنينِ (1) ، ولا يشعرُ بالفرقِ بينَ الضَّعيفِ والقويِّ، والشَّيخِ والجنينِ، ولا بينَ الخفيِّ والجليِّ، والبديهيِّ والكسبيِّ، والتَّحريمِ واليمينِ.

ويشبِّهونَهُ بمؤذنٍ قيلَ لهُ: ما نسمعُ أذانكَ، فلو رفعتَ صوتَكَ، فقال: إنِّي أسمعُ صوتي من مسيرةِ ميلٍ. وبمؤذنٍ أذَّنَ ثمَّ هرولَ، فقيلَ لهُ: إلى أين؟ فقال: أحبُّ أن أسمعَ أذاني أينَ بلغَ.

ولنذكرْ هاهنا عدَّةَ أمثلةٍ شاهدةٍ لِمَا أسلفنا، وموضحةً لِمَا أَظْهَرْنَا:

-فَمِنْهَا -

أن العلماءَ قسَّموا الفقهاءَ على طبقاتٍ، وبينوا أنَّهم بحسبِ تفاوتِ مراتبِهِم على درجاتٍ، وجعلوا من يجمعُ الغثَّ والسَّمينِ من أدانيهِم، وحكموا بعدمِ اعتبارِ تحريراتِهِم.

(1) بخيل.أ. (( مختار ) ) (ص385) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت