والحاصلُ أنَّ كونَ قولِ الصَّحابيِّ مرفوعًا أمرٌ آخرٌ، وكونُهُ منقولًا عن نبيِّهِ حكمٌ آخرُ، ليس أحدُهُما عينُ ثانيهما، ولا أحدَهُما مُسْتَلْزِمًا لآخرهما، فليسَ المرفوعُ حُكمًا يُطْلَقُ عليه أنَّهُ مذكورٌ نقلًا؛ ليصحَّ عليهِ تفريعُ ما فرَّعَ النَّاصرُ الفاترُ بفهمِهِ القاصرِ.
ثمَّ قال: الثَّالث:الحديثُ المعلَّقُ فإنَّهُ بحذفِ الرَّاوي فيهِ من مبدأِ السَّندِ، سواءٌ كان السَّاقطُ واحدًا، أو أكثرَ، ويَعْزِي الحديثَ إلى مَن فوقَهُ.
فالعبارةُ التي تُعبِّرُ (1) عن روايةِ مَن فوقَهُ في الحقيقةِ مَقُولةُ الرَّاوي السَّاقطِ، لا مقولةُ الرَّاوي المُسْقِطِ بالكسرِ، إذ لا سبيلَ للرَّاوي المُسْقِطِ بها إلى العلمِ بها، إلا بواسطةِ الرَّاوي السَّاقطِ لعدمِ التَّلاقي بين المُسْقِطِ ومَن فوقَ السَّاقطِ.
وللتَّعليقِ صورٌ: أوضحها في إثباتِ المطلوبِ، أن يَحْذِفَ المُصَنِّفُ جميعَ السَّندِ، ويقولُ مثلًا: قال رسولُ اللهِ، وهذا موجودٌ في الصَّحيحينِ، وفي البُخَارِيِّ كثيرٌ، فلا شكَّ أنَّ هذا القولَ لا يَتأتَى من المصنِّفِ، بل هو تَلَقَّاهُ ممَّن فوقَهُ، وهو ممَّن فوقَهُ، وهكذا إلى الصَّحابيِّ، فهو بالحقيقةِ قولُ الصَّحابيِّ لا قولُ المصنِّفِ، وليسَ هناكَ لفظٌ يدلُّ على أنَّهُ كلامُ الصَّحابيِّ، نَعَمْ هناكَ قرينةٌ تدلُّ على أنَّهُ كلامُ الصَّحابيِّ فيكونُ الإظهارُ حُكمًا، وهو المطلوبُ.
أقولُ: هذا أعجبُ من الأوَّلِ، وأدلُّ على عدمِ الوقوفِ على مرادِ المحدِّثينَ، وعدمِ الممارسةِ بكتبِ الدِّينِ، فإنَّ مَن تداولَ كتبَ الحديثِ، وَوَقَفَ على كلماتِهِم في أصولِ الحديثِ عَلِمَ عِلْمًَا ضَروريًا أنَّ التَّعليقَ، والقولَ المعلَّقِ يكونُ من قَوْلِ المعلِّقِ، لا من قولِ مَن فَوْقَهُ، تابعيًَّا كان، أو صحابيًَّا.
(1) في الأصل: (( يعبر ) ).