الصفحة 219 من 792

وأمثلةُ ما في البابِ كثيرةٌ غير مخفيَّةِ على أولي الألبابِ، ولو أردنا سردَهَا ليكثرَ حجمُ الكتابِ بلا فائدةٍ؛ لكتبتُ نُبذًا منها في أجزاءَ متعددةٍ، ولكنِّي لستُ بحمدِ اللهِ ممَّن يضيُّعُ أوقاتَهُ النَّفيسةُ فيما لا يعني، ولا ممَّن يكثرُ بإيرادِ ما لا يجدي نفعًا، ولا يغني.

وبالجملةِ هذا الذي ذكرهُ ناصرُكَ من حذفِ قيل، أو قال، أو يقال، لا يستحسنُهُ الأطفالُ فضلًا عن الرِّجالَ، وإن هو إلا تقريرُ مَن عجزَ وبُهِتَ، وندمَ وسَكَتَ، وتحيَّرَ وصمتَ، وتوحَّشَ وتدَهَّشَ، وترقَّصَ وتخلَّصَ، وتوهَّمَ وتمحَّلَ، تجهَّمَ وتخيّلَ.

وذلكَ كلُّه في طاعتِكَ وخدمتِكَ فأَلبِسْهُ لباسُ العزِّ والوقارِ، وتوَّجْهُ أتاجَ اللُّطفِ والفخارِ، فلن ينصرُكَ أحدٌ مثلَ ما نصرَهُ، ولن يكتبَ أحدٌ مثلَ ما سطَرَهُ، وللهِ درُّكَ ودرُّه، وللهِ فخرُكَ وفخرُهُ.

ثمَّ قال ناصرُكَ: إلا بعونِ إثباتِ ذلكَ بالسُّنَّةِ المطهَّرةِ، وذلكَ من وجوهٍ:

الأوَّلُ: ما روى البخاريُّ ومسلمٌ… الخ.

وهذه مكيدةٌ فاضخةٌ عندَ مَن لا يَخْفَى عليه خافيةٌ؛ فإنَّهُ كانَ عليه أن يقولَ: التَّاسعُ: إثباتُ ذلكَ بالسُّنَّةِ…الخ. فإنَّهُ بعدما مهَّدَ المقدِّمةَ الثَّالثةَ أقامَ لإثباتِها دلائلٌ، إلى أن قال: الثَّامنُ: إثباتُ ذلكَ بالكتابِ…الخ.

ثمَّ ذكرَ من القرآنِ تسعةً وثلاثينَ آيةً ممَّا حذفَ فيه قال ونحوه، وهذهِ التِّسعةُ والثَّلاثونَ كانتْ من ما اندرجَ تحتَ الدَّليلِ الثَّامنِ، ولم يكن كلُّ منها دليلًا مستقلًا، فكيفَ يصحُّ هاهنا قولُهُ: الأربعونَ: إثباتُ ذلك بالسنة فإنَّ ما يذكرُهُ هاهنا ليسَ مندرجًا تحتَ الثَّامنِ، بل هو مغايرٌ له ينبغي أن يعدَّ تاسعًا.

ولا أدري هل هذه زلَّةُ قلميَّةٌ، أو مكيدةٌ قصديَّةٌ؛ ليظنَّ ناظرُ هذا المقامِ أنَّه أقامَ على إثباتِ المقدِّمةِ الثَّالثةِ أربعينَ دليلًا بالتَّمامِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت