فهرس الكتاب
وعلى كلِّ تقديرٍ: فهو إمَّا مطابقٌ لِمَا نقلَ عنهَ أوَّلًا، فإن كانَ الأوَّلُ، وهو الأكثرُ، فلا تضرُّهَ مخالفةَ التَّاريخِ الآخرِ، ولا مناقضةَ لِمَا ذَكَرَهُ صاحبُ (( الإتحافِ ) )في المواضعِ الأُخرِ، ولا اقتضاءَ ما يخالفُ تاريخَ واقعةٍ أخرى، ولا استبعادَهُ مع لحاظِ وقائعَ أُخرَ.
فإنَّ الواجبَ على النَّاقلِ من حيثِ أنَّهُ ناقلٌ، ليسَ إلا نقلَ ما أرادَ نقلَهُ كما هو، ولا يردُّ عليه، فإن كانَ التَّعقُّبُ مَبْنِيًا على أنَّهُ لم يُظْهِرْ أنَّهُ كلامُ الغيرِ، فلا يكونُ نَقْلًا.
فجوابُهُ أنَّا قد أثبتنا في المقدِّمةِ الثَّالثةِ: إنَّ النَّقلَ وإن لا بدُّ فيهِ من إظهارِ أنَّهُ قولُ الغيرِ، ولكن هذا الإظهارَ أعمَّ من أن يكونَ صريحًا، أو ضمنًا، أو كتابةً، أو إشارةً.
وكلامُ صاحبِ (( الإتحافِ ) )وإن لم يكنْ فيه إظهارُ أنَّهُ كلامُ الغيرِ في بعضِ المقامِ صريحًا، ولكن لا يخلو عن الأقسامِ الأُخرِ؛ فإن تاريخِ المواليد والوفيات ممَّا لا يُعْقَل بالعقلِ، فلا بُدَّ أن يكونَ مَنْقولًا عن الغيرِ، وإن كانَ مَبْنيًا على أنَّ صاحبَ (( الإتحافِ ) )لمَّا سكتَ عليهِ، ولم يتكلَّم فيه، ولم يرجِّحْ واحدًا، اعلمْ أنَّهُ مُلتزمُ صحَّتِهِ.
فالجوابُ عنه: أنَّ المعترضَ نفسَهُ نقلَ الاختلافَ كثيرًا، ولم يرجِّحْ، وهذا دأبٌ قديمٌ للعلماءِ، كما ثبتَ في المقدِّمةِ الثَّانيةِ بأوضحِ وجهٍ.
فإن فرَّقَ بأنَّ المعترضَ لم ينقلْ في موضعينَ كلامًا مُختلفًا من غيرِ ترجيحٍ؛ إنَّما نقلَ الاختلافَ، إذا نقلَ في موضعٍ واحدٍ.