فهرس الكتاب
وما اشتهرَ من أنَّ النَّاقلَ ليس عليهِ إلا تصحيحُ النَّقلِ، فالحصرُ فيه إضافيٌّ لا حقيقيٌّ، كما لا يَخْفَي على أربابِ الفضلِ، فإنَّ الغرضَ منهُ ليسَ إلا أنَّهُ لا يؤاخذُ بإقامةِ الدَّليلِ على المنقولِ، ولا يردُّ عليهِ شيءٌ من النَّوعِ المتعلِّقةِ بالدَّالِ والمدلولِ، لا أنَّهُ لا يؤاخذُ بشيءٍ، ويبرأُ عن كلِّ شيءٍ، فإنَّهُ نقلَ شيئًا مع الغفلةِ عن معناه، وناقضَ كلامَهُ في موضعٍ بما قدَّمت يداهُ، لا شُبهةَ في أنَّهُ يُؤاخذُ ويُعابُ، ويُتَوجَّهُ إليهِ المُلامُ والعتابُ، ويحكمُ بأنَّ كسبَهُ يبابٌ (1) ، وصنعُهُ خرابٌ، وفعلُهُ تَبَابٌ، وقولُهُ حُبابٌ، ونقلُهُ لِعابٌ (2) ، وسطوُهُ لُعابٌ (3) ، يستحقُّ بهِ العقابُ لا الثَّوابُ، من حينَ يدخلُ في التُّرابِ، فما لهُ عندَ ذلك من جوابٍ، إذا سئلَ عن هذا الصُّنعِ المشبَّهِ بالذُّبابِ، والقبحِ المشبَّهِ بقبحِ الذُّبابِ.
فقد خسرَ وخابَ، مَن نُوقِشَ في الحسابِ (4) ، بخلطِهِ بين الخطأ والصَّوابِ، وكثرةِ الإيابِ والذَّهابِ في الكِذاب، واختيارُهُ شيمةُ الكلابِ في الشَّيبِ والشَّبابِ، حتى قيلَ: شرُّ أهَرَّ ذا نابٍ.
أليسَ مَن وَجَدَ في كتابٍ أنَّ الظُّهرَ خمسَ ركعاتٍ، فنقلُهُ من دونِ الالتفاتِ، بمعاتبٍ؟
أليسَ مَن وجدَ في سِفْر أنَّ اللهَ ليسَ بقادرٍ على خَلْقِ مثلِ حبيبِهِ مطلقًا، فنقلَهُ من دونِ أن يَتَنَبَّهَ على كونِهِ غلطًا، بمعاقبٍ؟
(1) خراب.أ.
(2) اللعب واللهو.أ.
(3) ريق.أ.
(4) إشارة إلى الحديث النبوي عن عائشةَ قالت: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (مَن حوسب يوم القيامةِ عُذِبَ، فقلت: أليس قد قال الله عز وجل: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًَا يَسِيرًَا} ، فقال: ليس ذاك الحسابُ، إنِّما ذاك العرضُ، من نوقش الحسابَ يوم القيامةِ عُذِبَ) . أخرجه البخاري في (( صحيحه ) ) (1: 51) ، ومسلم في (( صحيحه ) ) (4: 2204) ، واللفظ له.