الصفحة 249 من 792

مردودٌ بما مرَّ بنا صراحةً، ولا أدري لِمَ اكتفى على هذا القدرِ من التَّوسيعِ، لِمَ لا زادَ عليهِ صورًا أُخرُ ليسهِّلَ عليهِ أمرَ النَّصرِ والفرجِ الوسيعِ، بأن يقولَ: أو رمزًا، أو تصوُّرًا، أو تخيُّلًا أو توهُّمًا، أو ذِهْنًا أو خارجًا، أو ذِكْرًَا، أو عَقلًا.

وقوله: إنَّ تاريخَ المواليدِ والوفياتِ… الخ.

بناءٌ فاسدٌ تلزمُ عليهِ عدَّةُ مفاسدِ، فإنَّهُ يستلزمُ أن لا يَرِدَ إيرادٌ مطلقًا على مَن نَقَلَ قولًا من الأمورِ النَّقليةِ، وإن كان غلطًا وشططًا؛ لبداهةِ أنَّ مثلَ ذلكَ ممَّا لا مدخلَ فيهِ للعقلِ، لا يقولُ به قائلٌ إلا على سبيلِ النَّقلِ، والنَّاقلُ لا يَرِدُ عليهِ شيءٌ بلا فَصْلٍ.

ولَعَمْرِي كيف لم يتنبَّه على فسادِ قولِهِ: فلا بدَّ أن يكونَ مَنقولًا عن الغيرِ مع ظهورِهِ على كلِّ ناطقٍ وطيرٍ، فإنَّ ذِكْرَ شيءٍ لا يُعقلُ بالعقلِ، كيف يدلُّ على أنَّهُ لا بدَّ أن يكونَ بالنَّقلِ؛ لاحتمالِ أن يكونَ كذبًا افترى بهِ ذاكرُهُ من عندِ نفسِهِ، أو يكونَ خطأً صَدَرَ من زلَّةِ قَلَمِهِ، أو يكونُ نِسيانًا وسهوًا عَرَضَ له، لشدَّةِ غفلتِهِ، إلى غيرِ ذلكَ من الاحتمالاتِ الواضحةِ، وهذا ظاهرٌ على أربابِ الأفهامِ القاصرةِ أيضًا، فضلًا عن أصحابِ العقولِ الكاملةِ، ولو صحَّ ما ذكرَهُ، لم يَرِدْ شيءٌ على الكذَّابينَ والدَّجالينَ، وعلى مَن اختلقَ شيئًا من الأمورِ النَّقليَّةِ، وسطَّرَهُ.

فالعجبُ كلُّ العجبِ من مثلِ هذهِ النُّصرةِ، فيها نصرةٌ لجميعِ الدَّجاجلةِ، وأربابِ الكذبةِ، فما أطولَ طِيَلَه! وأهولَ حِيَلَهُ (1) ! وما أسعدَ جِدّهُ (2) ! وأنجحَ جَدَّهُ (3) !

(1) حِيَلَهُ: من الاحتيال. (( مختار ) ) (ص166) .

(2) جِدّه: من الجِدّ وهو الاجتهاد في الأمر. (( مختار ) ) (ص95) .

(3) جَدَّه: من الحظ والبخت. (( مختار ) ) (ص94) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت