الصفحة 250 من 792

لا باركَ اللهُ في ضدِّهِ وندِّهِ، ووفَّقهُ اللهُ بفهمِ قبائحِ ردِّهِ، وحفظَهُ اللهُ ومنصورَهُ من جدلِهِ ولِدِّهِ.

وقولُهُ: وإن كانَ مبيَّنًا… الخ.

مخدوشٌ بأنَّ التزامَ صحَّةِ صاحبِ (( الإتحاف ) )لم يؤخذْ من السُّكوتِ على منقولاتِهِ، وعدمِ التَّكلُّمِ فيهِ، وعدمِ التَّرجيحِ بشيءٍ من مختلفاتِهِ، بل نُسِبَ إليه ذلك من حيثُ أنَّ هذه طريقةُ المؤلِّفينَ، وشريعةُ المُرصِّفينَ من أربابِ العلمِ والفضلِ، الباعدينَ عن الخَطَلِ والحَدْلِ.

فإنَّهم إنَّما يُدْرِجُونَ في تصانيفِهِم في أيِّ فنٍ كانت تصانيفُهُم ما صحَّ ووضحَ، وتنقَّحَ وترجَّحَ، بعد التَّنقيدِ والتَّحقيقِ، والتَّسديدِ والتَّدقيقِ، ويلتزمونَ صحَّةَ ما نقلوا، ويدَّعونَ حسنَ ما كتبوا، يجيبونَ عمَّا به تُعِقَّبُوا، ويزيلونَ الخدشاتِ عن كلامِهِم عندما نُوقِشُوا، وتكونُ غايتُهُم منهُ نفعُ عبادِ اللهِ، لا تضليلُهُم، ومقصودُهُم إفادةُ خلقِ اللهِ، لا تغليطُهُم.

وهذا هو الواجبُ على جميعِ العلماءِ، لا سيما مَن قامَ منهم لتعليمِ الجهلاءِ تدريسًا وتأليفًا، ومَن تركَ سيرتَهُم، وخالفَ شريعتَهُم، يعدُّ مُخالفًا للإجماعِ الفِعْلِيِّ، وللشَّرعِ النَّبويِّ، ومن ثمَّ تَرَى العلماءَ يَزْجُرونُ عن التَّدريسِ والتَّأليفِ مَن لم يتَّصفِ بهذا الوصفِ المنيفِ، ولم يستأهلْ للتَّرصيصِ والتأسيسِ، ولم يقدرْ على التَّنقيحِ والتَّرصيفِ، ولا يَظُنُّ أحدٌ من الأفاضلِ بواحدٍ من مؤلِّفي الأماثلِ أنَّهُ غيرُ مُلتزمِ الصِّحَّةِ، ولا فَرْقَ عندَهُ بينَ الثِّقةِ وغيرِ الثِّقةِ، وغايتُهُ ليست إلا مجرَّدَ تكثيرِ أعدادِ التأليفاتِ، وإن كان ذلكَ بجمعِ السَّقطاتِ، وغرضُهُ ليس إلا محضُ النَّقلِ من دونِ فهمِ معناهُ، والتَّوجِهِ إلى مبناهُ، والالتفاتُ إلى الفرعِ والأصلِ.

وأنَّهُ لا يبالي بجمعِ ما كان كَذِبًا جَلِيًَّا، وما كان خَرِبًا فَرِيًَّا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت