الصفحة 256 من 792

والتزامُ (1) هذا لا يصدرُ إلا عن الجَهُولِ الغَفُولِ، فمَن صرَّحَ في كتابٍ لهُ في فقهٍ أنَّ فرضَ الظُّهرِ خمسُ ركعاتٍ، يلزمُ بمقتضى ما ذكرتَ أن لا يُتَعَقَّبَ عليهِ بكونِهِ من السَّقطاتِ، لأنَّهُ ممَّا لا دخلِ فيهِ للعقلِ، فيدلُّ ذلكَ على أنَّهُ نقلٌ، والنَّاقلُ لا يردُ عليهِ شيءٌ، ولا يطلبُ منه شيء سوى تصحيحِ النَّقلِ.

وهذه مسامحاتُ صاحبِ (( الهدايةِ ) )قد تعقَّبَهُ بها شُرَّاحُها، وجَمَعْتُها في (( مقدِّمتِها ) ) (2) .

ومسامحاتُ جمعٌ من الفقهاءِ الشَّافعيَّةِ قد تعقَّبَهم بها النَّوَويِّ، وجمعَها في كتابِهِ (( تهذيبِ الأسماءِ واللُّغاتِ ) )، وأكثرُهَا ممَّا لا دَخْلَ فيهِ للعقلِ، فيلزمُ على ما ذكرتَ من دلالةِ الحالِ على النَّقلِ أن تكونَ تعقُّبَاتُهم من الحركاتِ الباطلاتِ، هذا واللهِ لا يقولُ بهِ أحدٌ من العقلاءِ، فضلًا عن الفضلاءِ.

الثَّالثُ: أنَّ هذا الذي ذَكَرَ ناصرُكَ أنَّهُ ليسَ هناكَ دليلٌ على التزامِ صحَّةِ المنقولِ، تتعجَّبُ منهُ أربابُ العقولِ، فإنَّ التزامَ الصِّحَّةِ ممَّا دلَّ عليهِ حالُ علماءِ الأمَّةِ، ومَن لا يَلتزمْ الصِّحَّةَ في منقولاتِهِ لا يُعَدُّ في زمرةِ العلماءِ، وإن اشتهرَ بكثرةِ مجموعاتِهِ.

فإنَّ العالِمَ كالملحِ في الطَّعامِ، إذا فسدَ، فسدَ الطَّعامُ، فبفسادِ كلامِهِ تفسدُ الأنامُ، ولنعمَ ما قيل:

بالملحِ نُصلحُ ما نخشى تغيُّرَهُ

فكيفَ بالملحِ إن حلَّت بهِ الغيرُ

(1) في الأصل: (( التزم ) ).

(2) انظر: (( مقدمة الهداية ) ) (2: 3-4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت