الصفحة 409 من 792

هل يستأهلُ مَن يكونُ كثيرَ الزَّلاَّتِ، كبيرَ الغفلاتِ أن ينسخَ شيئًا أو يؤلِّف شيئًا؟

لا والله؛ لا يستأهلُهُ إلا مَن رُزِقَ قوَّةَ الباصرةِ، وأُعْطِيَ شِدَّةَ الحافظةِ، ولم يُحْرَمْ من أبكارِ الأفكارِ، ولا من نواهدِ (1) الأسرارِ.

وإنِّي أتعجَّبُ، بل وكلُّ من أُعْطِيَ العلمَ والأدبَ يتعجُّبٍ من صنيعِ ناصرِكَ الملقَّبِ بأمِّ العجبِ، حيثُ يأتي بما هو إحدى الكُبَرِ، وأُمِّ العِبَرِ، وإن شئتَ قلتَ: داء عَيّاء، وداهية دَهْيا.

وإن شئتَ قلتَ: كسبٌ بالطَرْقِ (2) ، وقِمَار بلا فرقٍ.

وإن شئتَ قلتَ: ثورٌ بلا عيبٍ، وجورٌ بلا ريبٍ.

وهو أنَّ كلَّ ما يَجِدُ في تأليفاتِكَ موافقًا لما في (( كشفِ الظُّنونِ ) )أعمُّ من أن يكونَ صحيحًا أو فاسدًا، نَجيحًا أو كاسدًا، يَجْعَلُكَ فيه ناقلًا مَحْضًا، لا يُدْرِكُ الفرقَ بين ما يكونُ لُبابًا وما يكونُ قِشْرًا، ويبرِّئك عن عهدةِ الإيرادِ عليك، إذا كان ما نقلْتَهُ غلطًا قطعًا أو ظنًَّا؛ بأنَّكَ لستَ ملتزمَ الصِّحَّةِ جدعًا.

وكلُّ ما يجدُهُ في تأليفاتِكَ مُخالفًا لِمَا في (( كشفِ الظُّنونِ ) )يَتَّهِمُ النَّاسخَ فيهِ بالسَّهوِ والزلَّةِ، وينسبُ إليهِ اللَّهوَ والذِّلةَ.

فجلُّ مرادِهِ أحدُ الأمرينِ:

اتِّهامُكَ بوصفٍ تَسْتَنْكِفُ عنه الفضلاءُ.

أو اتِّهامُ ناسخُ كتبكَ بوصفٍ تَسْتَنْكِرُهُ العقلاءُ.

فإن عَجِزَ عن الأوَّلِ هَرَبَ إلى الثَّاني؛ فَوَصَفَ النَّاسخَ بالسَّاهي، وإن عَجِزَ عن الثَّاني؛ هَرَبَ إلى الأوَّلِ، ولقَّبَكَ باللاَّهي.

فأنصفْ أيُّها المنصورُ، وانظرْ إلى هذا الهباءِ المنثورِ، والنَّصرِ المهجورِ، والعونِ المدحورِ، هل يحصلُ لكَ بهِ سرورٌ، أو يُدَافِعُ عنك شيئًا من القصورِ؟

قلتُ: في (( إبرازِ الغَيِّ ) ):

-السَّادِسُ وَالعِشْرُونَ -

(1) النهود: الارتفاع. أ.

(2) هو الضرب بالحصا، وهو من أفعال الكهنة.أ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت