فهرس الكتاب
أقولُ: تفهَّمْ أيُّها المنصورُ، دفعَ اللهُ عنكَ السَّهوَ والفتورَ، ماذا يُدَنْدِنُ النَّاصرُ الفاترُ؟! ويأتي بما يُضْحِكُ عليهِ كلُّ كاملٍ وقاصرٍ! ويُلَقِّبُكَ في كلِّ مرَّةٍ بما يَفِرُّ عنهُ أربابُ الفضلِ والعقلِ بالمرَّةِ، فإنَّهُ وَصَفَكَ في غيرِ مَوْضِعٍ بأنَّكَ لستَ ملتزمَ الصِّحَّةِ، وهاهنا وَصَفَكَ بأنَّكَ بريءٌ عن القوَّةِ المدركةِ، لا تَفْهَمُ ما تنقلُهُ، ولا تَعْلَمُ ما تَنْتَحِلُهُ.
ولعمري هذه صعوبةٌ شديدةٌ، وكَذوبةٌ عنيدةٌ، نجَّاكَ اللهُ عنها، وأزالَ عنك عارَها.
حقٌّ لهُ أن تقولَ لهُ قولَ المهتدي المعتدي:
رأيتُكَ دائمًا تَبْنِي في قطيعتي
ولو كُنْتُ ذا حزمٍ لهدمتُ ما تَبْنِي
وتوضيحُهُ أنَّا قد بيَّنَا غيرَ مرَّةٍ أنَّ كونَ النَّاقلُ غيرُ ملتزمِ الصِّحَّةِ، صفةٌ مُسْتَبْشَعةٌ، لا يظنُّها (1) أحدٌ من الأماثلِ، بأحدِ من الأفاضلِ، لاسيِّما مَن كان منهم قائمًا للتَّدليسِ والتَّأليفِ، ومهتمًَّا بالنَّفعِ والتَّصنيفِ، أنَّهُ موصوفٌ بهذهِ الصِّفةِ.
وأشنعُ منهُ كونُهُ غيرُ عالمٍ بمنقولاتِهِ، وغيرُ قائمٍ على مكتوباتِهِ، فإنَّ معنى كونه (2) ناقلًا (3) غيرُ ملتزمِ الصِّحَّةِ: أنَّهُ لا يلتزمُ صحِّةَ ما نقلَهُ، ولا يأبى بنقلِ غلطٍ صريحٍ، وشطَطٍ قبيحٍ، وإنَّما حِرفَتُهُ تكثيرُ السَّوادِ، لا اختيارَ السَّدادِ، وصَنْعَتُهُ تسويدَ القرطاسِ، وإن كان بالأنجاسِ والأرجاسِ، لا نفعَ النَّاسِ، لكن لا يلزمُ منهُ أن لا يظنَّ ذلك النَّاقلَ شيئًا، ولا يعتقدُ أمرًا، ولا يعلمُ قدرًا، ولا يتخيَّلُ شِقًَّا.
(1) في الأصل: (( يظن ) ).
(2) في الأصل: (( كون ) ).
(3) في الأصل: (( ناقل ) ).