الصفحة 478 من 792

ماذا يفيدُ القولُ في مثلِ هذهِ الأمثلةِ المشتملةِ على الخطيئاتِ المعضلةِ بأنَّكَ لستَ بملتزمِ الصِّحَّةِ، بل لو تأمَّلتَ لعلمتَ أنَّ هذهِ النُّصرةَ موجبةٌ للمضرَّةِ، فإنَّ مجرَّدَ الانتحالِ من دونِ نظرٍ إلى صحَّةِ المقالِ، ولا توجهٍ إلى جليَّةِ الحالِ، وتكثيرِ السَّوادِ بما قيلَ أو يقالُ من دونِ الاهتمامِ بتميزِ الحقٍّ من الضَّلالِ، وترصيفِ الرَّسائلِ من غيرِ الفرقِ بين الجامدِ والسيَّالِ، والممكنِ والمحالِ، أمرٌ لا يختارُهُ أهلُ الفضلِ والكمالِ، بل لا يستحسنُهُ إلا أصحابُ النَّكالِ الغافلونَ عن ما فيهِ من الإثمِ والوبالِ، وما لهم في الدَّارَيْنِ من ناصرٍ ولا والٍ.

وإن هو إلا حرفةُ أصحابِ الفسادِ، مخرِّبي البلادِ والعبادِ، وأربابِ الرُّقادِ، والغافلينَ عنِ قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} (1) .

ولا أظنُّكَ بجمعكَ إلا مريدًا للانتفاعِ، وقاصدًا للامتناعِ والاستمتاعِ، كما هو شأنُ أربابِ العلمِ، باسطي الذِّراعِ إلى الالماعِ، فمثلُكَ يَبْعُدُ عنه مثلُ هذه الخصلةِ: يعني أنَّكَ لستَ بملتزمِ الصِّحةَّ.

وإن سلَّمنا ذلكَ لكن لا مناصَ من العجبِ فيما هنالكَ حيثُ خفي عليك ما لا يَخْفَى على طلبةِ العلمِ من ذوي النُّهى؛ فإنَّ طلبةَ العلمِ الذينَ يقرؤونَ (( صحيحَ البُخارِيِّ ) )، و (( مسلمٍ ) )، وكتبِ (( السُّننِ الأربعةِ ) ) (2) فضلًا عن غيرِها من كتبِ الحديثِ المشتهرةِ، يعلمونَ علمًا كعلمِ المعلوماتِ القطعيَّةِ أنَّ ابنَ أبي شيبةَ لم يدركْ المئةَ الرَّابعةَ.

ومَن رُزِقَ منهم مطالعةَ مصنَّف ابن أبي شَيْبةَ، بَلَغَ علمُهُ بذلك إلى مرتبةِ الضَّرورةْ، فمن خفيَ عليه مثلُ هذا الذي لا يَخْفَى على الآحادِ، كيفَ يستأهلُ لتسويدِ القرطاسِ بالسَّوادِ.

(1) من سورة الفجر، الآية (14) .

(2) أي (( سنن أبي داود ) )، و (( سنن الترمذي ) )، و (( سنن النسائي ) )، و (( سنن ابن ماجه ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت