فهرس الكتاب
ومن المعلومِ أنَّ كلَّها ليستْ بمنصوصةٍ في القرآنِ، ولا ثبتَ بإجماعِ أربابِ الشَّأن، وأكثرها ممَّا لا مدخلَ فيه لاجتهادِ المجتهدينَ، فلا بُدَّ أن تبلغَهُ الأحاديثُ الكثيرة، والآثارُ الغفيرة؛ ليصحَّ منه نَظْمُ مسائلِ الدِّين، فلو لم تكنْ تبلغُهُ من الأحاديثِ إلاَّ جملةً قليلةً لَمَّا صحَّ إفتاؤهُ بهذه الفتاوى الجليلة (1) .
السَّادسُ: أنَّ المجتهدينَ والمحدِّثينَ وسائرَ العلماءِ المعتمَدينَ اتَّفقتْ كلماتُهُم على أنَّ أبا حنيفةَ كانَ من المجتهدين، وأطبقتْ عباراتُهُم على أنَّهُ معدودٌ في المُنْتقِدِين؛ ولذلك ترى العلماءَ يذكرونَ قولَهُ في معرضِ أقوالِهِم، ويدرجونَ حالَهُ في أثناءِ أحوالِهِم، ويهتمُّونَ بآثارِهِ رفعًا وقدحًا، ويعتنونَ بشأنِهِ دفعًا وجرحًا.
فمع ذلك القولُ بأنَّهُ لم تبلغْهُ إلاَّ سبعةَ عشرَ لا يتفوَّهُ به إلاَّ مَن بدماغِهِ الضَّررُ؛ فإنَّ مَن لا يبلغُهُ إلاَََّّّ هذا المقدار، لا يكون له اعتبار، ولا يُعَدُّ من زُمْرةِ أربابِ الاجتهاد، ولا يُلْتَفَتُ إلى قولِهِ عند ذكرِ أقوالِ أربابِ الاعتماد (2) .
(1) فإن قلت: يمكن أن تكون مسموعاته سبعةَ عشرَ فقط، واطَّلع على أحاديثَ كثيرةٍ من غير رواية، فاستخرج منها الأحكام.
قلت: لم تكن كتب الحديث في زمانِهِ مدوَّنة، ولم يكن للإطّلاع على الأحاديث فيه سبيل إلاَّ السمَّاع عن أفواهِ حملة الشريعة. ينظر: (( مقدمة العمدة ) ) (1: 36) .
(2) فإن قلت: نحن نلتزم أنّه لم يكن مجتهدًا.
قلت: فحينئذٍ يكون قولُ المحدِّثين والمؤرّخين وسائر العلماء المعتبرين أنّه من المجتهدين، وذكرهم له في أثناءِ ذكرهم، وذكر قوله ومذهبه عند ذكر أقوالهم ومذاهبهم، وإشاعةُ قولهِ فيما بينهم ردًَّا وقبولًا كاذبًا وباطلًا، ومَن التزمَ ذلك فهو أجهل الجاهلين باليقين. ينظر: (( مقدمة العمدة ) ) (1: 36) .