فهرس الكتاب
التَّاسعُ: أنَّهُ ذكرَ جمعٌ من المعتبرينَ أنَّ شيوخَ أبي حنيفةَ في الحديثِ تبلغُ إلى أربعةِ آلافٍ، وعدَّ منهم المِزْيُّ في (( تهذيبِ الكمالِ ) ) (1) وغيرُهُ (2) نحو سبعينَ شيخًا بلا خلاف. فلو فرضَ أنَّهُ لم يروِ عن كلِّ شيخٍ منهم إلا الحديثَ الواحدَ لبلغَ العددُ إلى سبعين، أو أربعةٍ آلاف، وإن زادَ فمعَ عددٍ زائد.
فما معنى قولُهُ: لم تبلغْهُ إلاَّ سبعةَ عشر، بل ليسَ التَّفوُّهُ به إلا موجبًا للتَّلفِ بأيدي تسعةَ عشر (3) .
العاشرُ: أنَّهُ لو لم تبلغْهُ إلاَّ سبعةَ عشرَ لكانَ مهجورًا عند الأصغرِ والأكثر، ولَمَا حصلتْ له الشُّهرةُ كشهرةِ الأئمَّةْ.
فخذْ هذهِ العشرةِ الكاملةِ الوافيةِ الكافلة، وآمِنْ بأنَّ تلك الكلمةَ الخبيثةَ قد كذَّبَتْها عباراتُ ابنِ خلدونَ بنفسِهِ في المقاماتِ العديدةِ، وأنكرتها شهادةُ الوجود، وأبطلتها دلالةُ العقلِ الغيرِ الحَسود، ونادتْ بكذبِها دلالةُ الإجماعِ من انتقادٍ، وأخبرتْ ببطلانِها عباراتُ مَن به الاستناد.
فمعَ هذا كلّه لا يشكُّ في بطلانِهِا إلاَّ العَنُودِ الحَسُود، ولا يتأمَّلُ في كذبِها إلاَّ الكَنوُد، حاملُ راياتِ الجهلِ والرُّقود. ويأبى اللهُ والمؤمنونَ إلاَّ أبا حنيفة، واللهُ مُتِمُّ نورِهِ ولو كرهتْ الفئةُ الكثيفة.
ولعلَّكَ تتفطَّنْ من هاهنا أنَّ تلكَ الكلمةَ البشعةَ في شأنِ مثلِ هذا الإمام، سيِّدِ الكَمَلَة، لا يحلُّ نقلُهَا إلا للردِّ عليها، ولا يجوزُ السُّكوتُ عليها، المنجرّ إلى فسادِ اعتقادِ الأنامِ، وسوء الظَّنِّ بمثل هذا الإمام.
(1) تهذيب الكمال )) (29: 420-422) .
(2) كالسُيوطي في (( تبييض الصحيفة ) ) (ص301-305) . ، والقاريّ في (( مناقب أبي حنيفة ) ) (2: 519-563) .
(3) عدد زبانية جهنم. أ.