الصفحة 501 من 792

وحَرَّمَ على مَن ليس بأهلِ للشَّيءِ أن يتكلَّفَ للاتِّصافِ به والفيء (1) ، فطوبى لعبدٍ عرفَ نفسَه؛ فمَن عرفَ نفسَهُ فقد عرفَ ربَّه، وعَلِمَ مقدارَ نعمِ اللهِ عليه فاستكنَّ به، ووقفَ لديه، واعترفَ بالعجزِ والقصورِ عمَّا لم يحصلْ له فيه العبور، وتجنبَ عن الاختيالِ والاختلال والشُّرورِ والغرور، وحَفِظَ قدمَهُ وقلمَهُ عن الوصولِ في رفعةِ القصور (2) ، وشَكَرَ على ما أُعطيَهُ، واكتفى بما أوتيَهُ من دونِ أن ينسى منزلتَه، ويذهلَ مرتبتَه.

وويلٌ ثمَّ ويلٌ لمَن تجبَّرَ وطغى، وتفخَّرَ وجفَى، وتشَيَّخَ وعصى، وتمشَّخَ وغوى، وأدبرَ يسعى، مناديًا: أنا حبرُكُم الأعلى، وتكلَّفَ وتنطَّعَ (3) ، وتقشَّفَ وتقطَّع، وقصدَ النُّزولَ في معارجِ الأحبار، والوصولَ إلى مدارجِ الأخيار، من دونِ قابليَّةٍ واستعداد، وكامليَّةٍ واسترشادٍ.

فيا أيُّها الجاهلُ الغافل، لا يحلُّ لك تحمَّلَ حِمْلِ الإرشادِ والتَّأليف، وتكلُّفِ ما ليس لك من هدايةِ العبادِ بالتَّصنيف، أما وصلَ إلى سمعِكَ ما وردَ في كتبِ أربابِ النُّهى أنَّ عليًَّا المرتضى - رضي الله عنه - دخلَ يومًا في مسجدٍ من المساجدِ، فرأى فيه قصَّاصًا يقصُّونَ، ووعَّاظًا يَعظون، والنَّاسُ يظنُّونَ أنَّهم من الأماجد، فأخرجَهم كلَّهم ولم يترك إلاَّ واحدًا منهم لعلمِهِ بأنَّهُ أهلٌ للوعظِ دونَهُم.

وفي روايةٍ أخرى مسطورةٍ في الكتبٍ الكبرى: أنَّهُ سألَ واعظًا: هل تعرفُ النَّاسخَ والمنسوخَ، فقال: لا، فقال له: فأنتَ لستَ بأهلٍ لأنْ تجلسَ على منابرِ أهلِ الرُّسوخ، وأخرجَهُ ونهاهُ عن الوعظِ وزجرَه.

أما قرعَ سمعُكَ ما قالَ نبيُّكَ - صلى الله عليه وسلم: (( لا يقصُّ إلا أميرٌ أو مأمورٌ أومختال ) )، هذا لفظُ الحديثِ، أو كما قال.

(1) أي الرجوع إليه. أ

(2) جمع قصر. أ.

(3) التنطع: التعمق في الكلام.أ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت