فهرس الكتاب
أقولُ: إن صَحَّ هذا فازجرْهُ على هذا وذا، وخوِّفْهُ بما يرتدعُ به عن كثرةِ السَّهوِ وملازمةِ اللَّهو، وانصحْهُ شاكيًا وباكيًا، قاهرًا وزاجرًا، ومهدِّدًا ومسدِّدًا، وقل له: أيُّها النَّاسخُ الذي قدمُهُ في السَّهوِ راسخٌ؛ أنشدكَ بالله هل أنت من النَّاس؟ أم أنتَ مغفَّلٌ وناسٍ (1) ، ومثقَّلٌ وعاصٍ، أأديرَ عليك الكأسُ (2) ، فسترَ عليكَ عقلُك وفهمك (3) ، وجعلكَ من النّسناس؟
أوصلتَ إلى سِنِّ الخرافة، وعمرِ الرَّذالةِ فغلبَ عليكَ جندُ الوهمِ والوسواس؟
فإن كانَ الأمرُ كما وصفتُ، وكنتَ كما ذكرت، فكن عن عهدةِ الكتابةِ معزولًا، واجلسْ في بيتِ أبيكَ وأمِّكَ مجهولًا، وأبكِ على ما جنيتَ وعصيتَ، تاليًا قولَهُ تعالى: {وكان أمر الله مفعولًا} .
فأن قال لكَ: إنِّي لستُ بشيخٍ فاني، ولا أنا مغفَّلٌ وذاهبُ العقلِ بشربِ المسكرِ الجاني، ولا العزلُ يليقُ بي، ولا العَضلُ يستحقُّ لي.
فقل له: فعلَّكَ مكذِّبٌ كقولِك، وقلمُكَ مخرّب بعملِك.
أيُّها الطَّاغي الباغي؛ ما هذا السَّهو واللَّغو؟ ما هذا الرَّقو واللَّهو، لئن لم تنتَهِ لأرجمنَّك، وأجلدنَّك، ولأصلبنَّكَ على جذوعِ النَّخل، فلا تنفعُ إذن شفاعةُ الوالدِ والنَجْل (4) .
ألا تستحي؟! تأكلُ لقمةَ الأمير، وتُهلكُ مكتوباتِه، وتستنفعُ بمنافعِ الوزير، وتُنهكُ (5) مسطوراتِه.
لعمري هذه واهيةٌ، وما أدراكَ ماهية، كاتبٌ خبيثُ المأكل، وحاطبٌ ضعيفُ المَعْقل، قلمُهُ وقودُ النِّيران، وسوادُهُ عقودُ الطُّغيان.
ويلٌ لكَ، تقلِّبُ الدِّينَ من مواقعِه، وتحرِّفُ الكَلِمَ عن مواضعِه، تبًَّا لكَ ولأمثالِكَ تقُصُّ (6) ما قد وصلتُه، وتعُضُّ ما قدْ نظمتُه.
(1) من النسيان اسم فاعل كالعاص من العصيان حذفت الياء فيهما.
(2) أي كأس الخمر. أ.
(3) في الأصل: قهمك.
(4) الإبن.أ .
(5) النهك: الاستيصال. أ,
(6) القص: القطع. أ.