الصفحة 513 من 792

فالقولُ بالتزامِ الصِّحَّةِ يشكلُ بهِ الجوابَ عن هذهِ القبائحِ الغفيرةِ، ولم يَدرِ ذلكَ المسكينُ، عفا اللهُ عنهُ خالقُ مكانٍ ومَكينٍ، أنَّ اختيارَ هذا أشنعُ وأقبحُ من الأولى، وأنَّ الأولى خيرٌ من الأخرى، وقد استحقَّ ذلكَ المعينُ بأن يضربَ عليهِ المثلُ بأنَّهُ: أجهلُ من راعِ ضأنٍ ثمانينَ (1) .

وذلكَ لما نبَّهناكَ غيرَ مرَّةٍ أنَّ عدمَ التزامِ الصِّحَّةِ وصفٌ يبعدُ الاتِّصافُ بهِ عندَ أهلِ الدُّريةِ، بل هوَ وصفٌ ينبو (2) عنهُ الجهلاءُ المتوسِّطونَ، فكيفَ يرتضى بهِ الفضلاءُ المتقسِّطونَ.

ولعلمي من يتَّصفُ بهِ يصيِّرُ بينَ العلماءِ نفسَهُ ضُحكةً، وكلامُهُ لعبةً، فيعرضونَ عنهً إعراضًا بليغًا، وينسبونَ إليهِ الإضلالَ انتسابًا صحيحًا، ويتَّخذونَ كلامَهُ ومقالَهُ ظهيريًَّا، ويعدُّونَهُ شيئًا فَرِيًَّا.

وينادونَ بأعلى النِّداءِ: إنَّ مؤلِّفَهُ لم يكنْ تقيًَّا ونقِيًَّا، ولا ذكيًِّا وزكيًِّا، ويشكُّونَ في أنَّهُ جنِّيًَّا أم إنْسِيًَّا، وفي أنَّهُ كان سَوِيًَّا أم بَغِيًَّا، ويحكمونَ بأنَّهُ مع جَمْعِهِ لا يليقُ لأن يَستنِدَ بكلامِهِ أحدٌ، ولا يستأهلُ أن يُستمدُّ منهُ شيءٌ من المَدَدِ.

(1) وجهه أن أعرابيًا بشّر كسرى ببشرى فسر بها، فقال: سلني ما شئت، فقال: أسألك ضأنًا ثمانين. وقيل: قضى رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حاجة، فقال له رسول الله: (ائتني بالمدينة) فأتاه، فقال له: (أيما أحب إليك ثمانون من الضأن أو أن أدعو الله أن يجعلك معي في الجنة) ، فقال: بل ثمانون من الضأن، فقال رسول الله: (أعطوه إياها) ، وقال: (إن صاحبة موسى كانت أعقل منك، وذلك أن عجوزا دلته على عظام يوسف فقال لها موسى: أيما أحب إليك أسأل الله أن تكوني في الجنة أو مئة من الغنم، فقالت: الجنة) ، أخرجه ابن حبان والحاكم وصححه كذا في (( حياة الحيوان ) )..

(2) يبعد. أ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت