الصفحة 515 من 792

ولا يفيدُهُ التَّقليدُ الجامدُ، والاتِّباعُ الكاسدُ؛ لإجماعِ أربابِ الشَّريعةِ، وأصحابِ الطَّريقةِ أنَّ مثلَ هذا التَّقليدَ والانتحالَ المنجرَّ إلى الحيرةِ والإضلالِ حرامٌ بلا دِفاعٍ، من غيرِ اختلافٍ ونزاعٍ، ولا عجبَ من صدورِ مثلِ هذا من المقلِّدينَ (1) الجامدينَ الفاسدينَ الكاسدينَ الَّذينَ يرومونَ ظواهرَ المباني، ولايصلونَ إلى بواطنِ المعاني، يقتدونَ بآثارِ آبائهم وأجدادِهِم؛ وإن كانتْ مخالفةً للشَّريعةِ، ويهتدونَ بسيرِ سلافهم وأشياخهم؛ وإن كانتْ مناقضةً للطَّريقةِ، ويقولونَ عندَ عرضِ الدَّليلِ الصَّحيحِ والقولِ النَّجيحِ عليهم: لا ندري ما هذا، فقد كفانا عن مؤنةِ هذا أسلافُنا وآباؤنا، فنحنُ بهم مقتدونَ، وبآثارِهِم مهتدونَ؛ لظنِّنَا أنَّهم كانوا أعلمَ منَّا، وأفضلَ من غيرِنَا.

فهم الَّذينَ يحسبونَ أنَّهمُ يحسنونَ، ويظهرُ لهم بعدَ موتِهِم من اللهِ ما لم يكونُوا يحتسبونَ، إنَّما العجبُ العجيبُ لكلِّ أديبٍ ولبيبٍ، من صدورِ مثلِ هذا من الطَّوائفِ الَّذينَ ينكرونَ على المقلِّدينَ تقليدَهُم، ويقبِّحونَ تشريعَهم، وتسديدَهم، ويفرُّونَ من التَّقليدِ، واسمِهِ كفراركَ من الأسدِ، ويبعدونَ عن التَّقليدِ ورسمِهِ، كبعدِكَ عن القِرَدِ.

حتى أنَّ منهم مَن لا يعرفُ الفرقَ بين المقلِّدِ الجامدِ، وبينَ غيرِ الجامدِ، ولا يميِّزُ بينَ العابدِ وبينَ الشَّاردِ، بل يُطلقونَ القولَ لعدمِ امتيازِهِم بينَ الرَدِّ والعولِ، والندِّ والبولِ، ولا قوَّةَ ولا حولَ إلا باللهِ ذي العِزَّةِ والطَّولِ.

مع أنَّهم بجنبِ علماءِ المقلِّدينَ كالعصافيرِ الطَّائرةِ بجنبِ النَّاطقينَ.

(1) هذه أوصاف مخصوصة ومقيدة لا مساوية فليس كل مقلد موصوفا بهذه الصفة. أ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت