الصفحة 536 من 792

وأمَّا ثانيًا: فلأنَّ شأنكَ أجلُّ من أن توصفَ بالنَّاقلِ غيرِ ملتزمِ الصِّحَّةِ الذي هوَ من أوصافِ الفئةِ المضلَّةِ، وإنِّي بل وكلُّ مَن يماثلُنِي قاطعٌ بأنَّ هذا من المفترياتِ، والمكذوباتِ، والمخترعاتِ، والمردودات؛ فأنتَ بل وكلُّ مَن يشبهُكَ بعيدٌ بمراحلَ عن هذا الذي أثبتَ لك.

وأمَّا ثالثًا: فلأنَّ النَّاقلَ الغيرَ الملتزمِ للصِّحَّةِ ينكرُ عليهِ شدُّ النَّكيرِ، ويُشهِّرُ قبحَ وصفِهِ غايةَ التَّشهيرِ، ويُهجرُ هجرةً لا إقالةَ لها، ويُزجرُ زجرةً لا إفاقةَ معها، ويُشدُّ الميزورُ النِّطاقَ لبيانِ ما في هذا الوصفِ من الشَّررِ والشِّقاقِ.

ويقالُ له قولُ المعلِّمِ للمتعلَّمِ: أنتَ لستَ بلائقٍ، ولستَ موصوفًا بالفائقِ، إن أنتَ إلا ناهقٌ وناعقٌ، أو نافقٌ غيرُ ناطقٍ، فاصمتْ صموتَ الغافلينَ، وكُن حِلسًا من أحلاسِ بيتِكَ في الغابرينَ.

وما مثلُكَ إلا كمثلِ رجلٍ عراقِيِّ كانَ يحضرُ في مجالسِ القاضي أبي يوسفَ الكوفِيِّ، وكان النَّاسُ يسألونَهُ، ويفتِّشونَ ما يفيدُهُ، وهو في زمانِهِ كلِّهِ لا يتكلَّمُ، ولا يسألُ ولا يتفهَّمُ، فقالَ له أبو يوسفَ: ما لكَ لا تتكلَّمُ، ولا تسترشدُ، ولا تتعلَّمُ، فقال: نعم أتكلَّمُ وأتعلَّمُ، إن شاءَ اللهُ الأعلمُ.

فبينا أبو يوسفَ يقولُ في قصصِهِ (1) : إذا غربتْ الشَّمسُ أفطرَ الصَّائمُ، وقامَ القائمُ، إذا تكلَّمَ ذلكَ الصَّامتُ الأحمقُ، وسألَ عنه قائلًا: وإن لم تغربْ الشَّمسُ إلى نصفِ اللَّيلِ، وإلى غروبِ الشَّفقِ؟

فعندَ ذلكَ عرفَ النَّاسُ مقدارَ عقلِهِ وفضلِهِ، ونادوا بحمقِهِ وجهلِهِ، وقال أبو يوسفَ وعرضَ لهُ من سؤالِهِ التَّأسُّفَ والتَّلهُّفَ: سكوتُكَ خيرٌ من الكلامِ، وسماعُكَ كافٍ من التَّعرُّضِ لتفتيشِ الأحكامِ.

ولذا قال عبدُ اللهِ بن المباركِ في مثلِهِ:

وهذا اللِّسانُ بريدُ الفؤادِ

يدلُّ الرِّجالَ على عقلِهِ

س

(1) أي وعظه.أ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت