المعنى أن حكمتي تقتضي ـ هذا معنى كلام الله جل وعلا ـ أن حكتي تقتضي لو أنني أرسلت ملكًا أن أجعله في هيئة رجل فيصبح هؤلاء الأشرار عادوا من حيث بدؤوا لأن الملك إذا جاءهم في صورة رجل يبقى اللبس والاختلاط عليهم كما هو باقٍ عليهم الآن لماذا ؟ لأنهم أرادوا الوصول من غير طريق الحق كيف معنى أرادوا الوصل من غير طريق الحق ؟ هم الآن يرون نبيهم ومع نبيهم آيات ظاهرة ومعجزات باهرة أعظمها القرآن فلم يقبلوها ولم يقتنعوا بها ولم يلتمسوا التدبر فيها فحادوا عن الطريق الذي يصلون به إلى معرفة الله وتكلموا عن شخص الرسول وطالبوا بأن يكون ملكًا فلو أن الرب أجاب اقتراحهم وجعل الملك في هيئة رجل لعادوا من حيث بدؤوا فلا يدرون هل هو ملك أو هو رجل فإذا أتاهم بالبينات وقعوا في نفس اللبس الذي وقعوا فيه مع محمدٍ صلى الله عليه وسلم وهذا أقوى توجيه الآية ..
وقال آخرون توجيهين آخرين هما: القول الأول .. (وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ ) أن رؤساء أهل الإشراك يُلبسون على الضعفاء دين محمد صلى الله عليه وسلم فيكون معنى قول الله جل وعلا (وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ ) أي نعاملهم بالمثل فنلبس عليهم الدين كما هم يلبسون الدين على من يتبعهم هذا ظاهر .
وبعض العلماء أخذ اللفظ على بادي الرأي قال (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا ) يقصد الثياب (عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ ) أي هؤلاء الملائكة لو قدر أننا بعثناهم نبعثهم في هيئة رجال فسيرتدون ويلبسون ما يلبسه الرجال عادةً . هذا مجمل ما دلت عليه الآيتين الكريمتين .
قال الله جل وعلا بعدها ( وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ {10} قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ {11} )