فهرس الكتاب
فهذا رأس الكفر ولا شك أن من مصلحة الإسلام قتل رؤوس الكفر بشكل عام، إلا أنه في تلك الحادثة كانت مصلحة الإسلام تأجيل قتله للأسباب منها أنه قد يستنفر قريش، وترجع لقتال الرسول -صلى الله عليه وسلم- والمسلمون معه أخذًا بثأر أبي سفيان، ومن هنا أبيح عدم قتله لتجنب المسلمين أمرًا كان فوق طاقتهم.
وكذلك مسألة القتال مع الكفار ومهادنتهم؛ ففي حالة القوة يقاتل المسلمون الكفار فإما أن يسلموا، وإما أن يدفعوا الجزية، وأما في حالة الضعف فقد كان موقف نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي لا ينطق عن الهوى يوم الأحزاب عندما أراد أن يعطي ثلث ثمار المدينة لغطفان حتى ينفضوا ويرجعوا عن المسلمين، فبدلًا من أن تكون أموالهم غنيمة للمسلمين نحن نعطيهم ثلث اقتصادنا تقريبًا فالمدينة في ذلك الحين ثمارها هي اقتصادها بالدرجة الأولى، فالقائد المسلم يقوم بمثل هذه الأمور نظرًا لتحقيق أمر الله في المآل ولنصرة دينه ولو بعد حين، ومن هذه المواقف أيضًا ما فعله الرسول -صلى الله عليه وسلم- في صلح الحديبية مع قريش رأس الكفر في جزيرة العرب إذ كان فيه مصلحة عظيمة للمسلمين.
وهكذا ينبغي أن نسير في طريق الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا، فما نريده من إقامة دولة تحكم شرع الله تعالى متاح -بإذن الله- إلا أنه تعالى جعل سننًا كونية فلا تقام الدول في عشية وضحاها، ولابد من مقومات عدة لنجاحها، ومعلوم أن القرآن الكريم كان كاملًا في السماء إلا أنه أُنزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منجمًا فآية السيف كانت موجودة في السماء يوم أن كان الأمر كفوا أيديكم، ولاشك أن ذلك كان لحكم كثيرة أحسب أن منها أن الوقت في مكة لم يكن مهيئًا لإقامة الدولة والمحافظة عليها، وكانت إقامة الدولة في المدينة مع أنها كانت غير معرضة لحروب مزلزلة إلا أن غلبة الظن كانت بإمكانية المدافعة عنها، ولا يخفى ما كانت عليه قبائل الأنصار -رضي الله عنهم- من نصرة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومن هنا يظهر أن من المقومات المهمة أخذ ولاءات راسخة لقبائل ذات شوكة مع الانتباه إلى أن الأنصار -رضي الله عنهم- عندما أرادوا أن يحملوا عبء مناصرة الدعوة قيل لهم سترميكم العرب عن قوس واحدة، ولم يقال لهم سترميكم الدنيا عن قوس واحدة.
ومما يدل على أهمية توثيق العرى مع القبائل ذات الشوكة والمنعة أن الله تعالى لما بعث أنبياءه -صلى الله عليهم وسلم- في منعة من أقوامهم وهم المؤيدون من عند الله، وهم أصحاب المعجزات، فإذا كانت هذه السنة الكونية لم يغيرها الله حتى معهم فغيرهم من باب أولى.