الصفحة 220 من 270

ولا يخفى عليكم أن الأمور المهمة جدًا عند وجود النزاع بين طرفين أن يكون كل واحد منهما مطَّلعًا على ثقافة خصمه وتأريخه وكيفية تفكيره ونقاط ضعفه وقوته، فإن هذا مما يعينه على اتخاذ القرارات الأصوب بعد عون الله -تعالى- له.

ولقد ظهر من خلال المتابعة لتصريحات ساسة الأمريكيين والاطلاع على تطور الصراع وواقع الحرب بيننا وبينهم فضلًا عن حروبهم السابقة إلى أن ضرب أمريكا في عقر دارها له الأهمية القصوى وفي المرتبة الأولى وهو السبيل الأساسي الموصل لما نريد، فتأثر الأمريكيين لا يقارن بضربهم خارجها فضلًا عن ضرب حلفائهم ووكلائهم.

فبتأملنا لبعض تأريخ أمريكا نجد أنها رغم خوضها قرابة ستين حربًا منذ نشوئها فإن القاسم المشترك لبعض هذه الحروب هو أنها لم يكن العمل العسكري من خصومها في الخارج هو العامل الرئيسي في حسمها، إنما حسمت عندما ازداد الغضب الشعبي والمعارضة الداخلية لها، فعلى سبيل المثال من القتلى فيها 57000 جندي أمريكي ولم تحسم الحرب بهذا العدد الهائل من القتلى! إنما اضطروا للانسحاب عندما أخطأ رئيسهم نيكسون أمر بالتجنيد الإجباري لمواصلة الحرب، ومما جعل القضية تمس أمن كل فرد أمريكي وعندها ثار الشعب ولا سيما طلاب الجامعات بمظاهرات حاشدة ضد الحرب والحكومة مما اضطرها للانسحاب.

ولا يخفى عليكم أن سياستهم الحالية لمعالجة نقص الجنود هي بالإغراءات المالية الهائلة من دون إكراه لتلافي خطأ نيكسون.

ومعلوم لديكم أن عدد سكان أمريكا 300 مليون، قُتل منهم في أفغانستان حوالي 1000 جندي خلال ثمان سنين، وفي العراق حوالي 4000 جندي، هذا يعني أن الضرر قد أصاب فئة يسيرة منهم لا تكفي لإثارتهم وتحركهم لإرغام الساسة على وقف الحرب.

وبعملية حسابية بسيطة إذا قسمنا عدد قتلى أمريكا في أفغانستان على عدد سكانها فستكون نسبة عدد القتلى من الشعب الأمريكي في أفغانستان ثلاثة فاصلة ثلاثة في المليون وهي نسبة ضئيلة جدًا لا تُذكر، بينما نسبة عدد قتلاهم في فيتنام ثلاثمئة وثمانين في المليون، حيث كان عدد سكان أمريكا وقتها مئة وخمسين مليونًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت