الصفحة 25 من 270

صفوفنا: أي أننا يجب أن نفرض على الموضوع تعتيمًا إعلاميًّا، وهذا خطأ من عدة أوجه، منها: أن الأمر دين وفتوى وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وليس مجرد (أسرار تنظيمية) من الصنف الذي يمكن أن نفرض عليه تعتيمًا إعلاميًّا، وكتم الحق وتأخير بيانه عند الحاجة إليه فيه وعيد شديد كما لا يخفى، ومنها: أن الأمر مكشوف يعرفه القاصي والداني والقريب والبعيد، ولا يؤدي سكوتنا إلا إلى احتقار الناس لنا واحتقارنا لأنفسنا وظهورنا أمام الجميع كـ"شياطينَ خرس"، نرى المنكر يُرتَكَب ولا نحرك ساكنًا، أو نبدو كمداهنين نمجد القتلة وهم أحياء، ونرثيهم وهم أموات، ونحسبهم من الصالحين رغم ما نعلم عنهم من فسق وفجور، أو في أحسن الأحوال نبدو للناس كغافلين لا ندري ما يدور حولنا.

وأعود مجددًا إلى مسألة أسلوبنا في الإنكار والتزامنا السرية، فأقول: نحن الآن أمام منكر ظاهر، معلن يقترف على الملأ بلا حياء ولا خجل، وقد استشرى في الصفوف كالنار في الهشيم، ومعروف أن المنكر الظاهر الذي يراه كل أحد حكمه مختلف عن المنكر الذي لا يطلع عليه إلا المنكر؛ فالنوع الأخير يشرع في إنكاره السرية وعدم الإعلان والتشهير -مع بعض الاستثناءات طبعًا-، بينما النوع الأول الأصل فيه أن يكون الإنكار علنًا، لما في ذلك من مصلحة الردع لغيره مما قد يريد القيام بهذا المنكر أو الاقتداء بفاعله، ولغير ذلك من الأسباب، وهذا الجهر في الإنكار على المنكر الجهري هو ما أهملناه هنا، وهذا ما جعل إنكارنا ناقصًا غير مستوفي لأركانه -والله أعلم-.

فلا أقل من أن نقتدي بنبينا -صلى الله عليه وسلم- عندما قال: (اللهم أبرئ إليك من فعل خالد) ثلاثًا، وأعلن ذلك حتى وصل إلينا بعد أكثر من أربعة عشر قرن، فتأمل.

تنبيه: إن المطلوب أساسًا ليس تسمية الفاعلين فردًا فردًا والتشهير بأشخاصهم التي قد لا نعرفها أصلًا، وإنما المطلوب إنكار الفعل والتبرؤ منه فحسب، وحب الفاعل بقدر ما فيه من الإيمان، وبغضه بقدر ما فيه من الفسق والفجور والخروج عن جادة الشرع، وقد يكون من المطلوب في بعض الأحيان تحذير الفاعلين علنًا والتحذير منهم مثلما لو اشتهر هذا الشخص أو ذلك التنظيم بارتكاب الفظائع عند العامة والخاصة (وكان ما اشتهر به صحيحًا وثابتًا) ، ومثلما لو تكررت منه هذه الأعمال الظالمة ولم يرتدع بالنصح والتحذير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت