عندنا، وقبول أموال الدول والملوك الكفرة جائزٌ في ذاته، فإن منع مانع بعد ذلك فبحسبه، ودليله حديث إبراهيم الخليل -صلى الله عليه وسلم- وقبوله هدية الملك الكافر، في قصة سارة -عليها السلام- حين حاول الملك التعرض لها فمُنع بإذن الله، ثم أعطاها مالًا وأخدم وليدة (وهي هاجر -عليها السلام-) وقبل إبراهيم ذلك وانتفع به، والحديث في الصحيحين وغيرهما، ولفظه عند البخاري: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- هاجر إبراهيم -عليه السلام- بسارة فدخل بها قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة، فقيل دخل إبراهيم بامرأة هي من أحسن النساء، فأرسل إليه أن يا إبراهيم من هذه التي معك؟ قال أختي، ثم رجع إليها فقال: لا تكذبي حديثي فإني أخبرتهم أنك أختي، والله إن على الأرض مؤمن غيري وغيرك، فأرسل بها إليه، فقام إليها فقامت توضأ وتصلي، فقالت: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط عليّ الكافر فغُط حتى ركض برجله.
قال الأعرج، قال سلمة بن عبد الرحمن: إن أبا هريرة قال: قالت: اللهم إن يمت يقال هي قتلته، فأرسل، ثم قام إليها فقامت توضأ تصلي وتقول: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط علي هذا الكافر، فغط حتى ركض برجله.
قال عبد الرحمن، قال أبو سلمة، قال أبو هريرة: فقالت: اللهم إن يمت فيقال هي قتلته، فأرسل، في الثانية أو الثالثة، فقال: والله ما أرسلتم إلا شيطانًا، ارجعوها إلى إبراهيم، وأعطوها هاجر فرجعت إلى إبراهيم -عليه السلام- فقالت: أشعرت أن الله كبت الكافر وأخدم وليدة.
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-:"وفي الحديث مشروعية أخوة الإسلام، وإباحة المعاريض، والرخصة في الانقياد للظالم والغاصب، وقبول صلة الملك الظالم، وقبول هدية المشرك، وإجابة الدعاء بإخلاص النية، وكفاية الرب لمن أخلص في الدعاء بعمله الصالح، وسيأتي نظيره في قصة أصحاب الغار، وفيه ابتلاء الصالحين لرفع درجاتهم، ويقال إن الله كشف لإبراهيم حتى رأى حال الملك مع سارة معاينة وإنه لم يصل منها إلى شيء. ذكر ذلك في"التيجان"ولفظه:"فأمر بإدخال إبراهيم وسارة عليه ثم نحى إبراهيم إلى خارج القصر وقام إلى سارة، فجعل الله القصر لإبراهيم القارورة الصافية فصار يراهما ويسمع كلامهما"، وفيه أن من نابه أمر مهم من الكرب ينبغي له أن يفزع إلى الصلاة، وفيه أن الوضوء كان مشروعًا للأمم قبلنا وليس مختصًا بهذه الأمة ولا بالأنبياء، لثبوت ذلك عن سارة، والجمهور على أنها ليست بنبيه."انتهى كلامه وذكرته بطوله للفائدة.