المراحل القادمة، أي أن الجهاديين لم يكن ليصلوا إلى ما وصلوا إليه اليوم إلا بخوض سلسلة التجارب السابقة، فالدروس الميدانية أبلغ من أي شيء آخر في فهم الواقع وما يلزم له، ومن هنا يتضح لنا أهمية اجتياز هذه المرحلة وأنها بالفعل كانت بمثابة الأرض القاحلة التي لابد للمسافر أن يجتازها حتى يصل إلى مبتغاه.
تعتبر هذه المرحلة الناقل الرئيسي لجميع الحركات الجهادية من مسرح عملياتهم المحدود إلى خارج حدود بلدانهم، فقد أدى القمع الشديد الذي تعرضت له الجماعات الإسلامية في المرحلة السابقة إلى بحثهم عن أي (نجاشي) يستظلون في ظله حتى يلموا شعثهم ويدربوا كوادرهم ويرتبوا أوراقهم من جديد، ولم يكن أفضل من أفغانستان لهذه المهمة، فمع تفجر الجهاد بزعامة العلماء والحركات الإسلامية ضد المد الشيوعي في افغانستان عام 1979 انصبت جموع شباب المسلمين من كل حدب وصوب جنبا إلى جنب مع الجماعات الإسلامية التي وجدت في أفغانستان أملها المنشود، وبزغ نجم الشيخ عبدالله عزام رحمه الله في هذه القضية التي رأى فيها مالم يرى في غيرها ...
لقد كانت محطة أفغانستان نقطة تحول كبيرة بالنسبة للجماعات الجهادية التي اختلطت فكريا مع بعضها البعض وتعرفت على قضايا المسلمين المختلفة وأصبح الهم مشترك والنضج أكبر والرؤية أوضح بعض الشيء، أما على صعيد الأمة الإسلامية فلأول مرة منذ زمن بعيد يناقش أمر الجهاد على العلن وفي صفحات الجرائد وعلى شاشات التلفزة بعد أن كان نسيا منسيا! وقد استغل الشيخ عبدالله عزام هذه الفرصة الكبيرة بأفضل ما يمكن أن تستغل به لأنه أدرك أن الضوء الأخضر العالمي لدعم الجهاد ضد الروس والتسهيلات التي وافقت ذلك لن تدوم طويلا وستنتهي وتقمع بانتهاء المهمة المطلوبة منها، فبدأ يجوب الأرض من باكستان إلى أمريكا محرضا المسلمين على الجهاد وشارحا لهذا المصطلح الذي كاد أن يندثر من حياة المسلمين ومتجاوزا لكافة العقبات الفقهية والشبهات الشرعية التي اعترضت طريق الجهاد في تلك الفترة، فأثمر ذلك عن أكثر من 40 ألف مجاهد حضروا ساحة القتال في أفغانستان واستفادوا فكريا وتربويا وعسكريا من هذه التجربة المفصلية من عمر الجهاد، وقد تنبه لذلك الغرب فكتب أحد اليهود الأمريكيين تقريرا بعنوان ( What we Have Done ? )
أي ما الذي فعلنا؟، ومن هذه النقطة استمر المجاهدون بعد ذلك في المسار الإقليمي وأخذوا زمام المبادرة في قضايا الأمة المصيرية، ففي البوسنة والهرسك ظهرت (كتيبة المجاهدين) بقيادة الجزائري أبوالمعالي، وفي الشيشان شارك القائد خطاب من بلاد الحرمين في قيادة العمليات العسكرية في الحربين الأولى والثانية واستمر المجاهدون في تقديم النصرة في بقية بلدان المسلمين ككشمير والصومال والفلبين وكوسوفا وبورما وغيرها.