الصفحة 10 من 43

باعتباره عبادة من أوجب العبادات بعد أن بات فريضة متعينة بسبب ما تعتبره عدوا صائلا في البلاد الإسلامية ينبغي ردعه وإخراجه منها، وهي مسألة تتقدم حتى على أولويات التنظيمات الجهادية العاملة على إسقاط الأنظمة السياسية الحاكمة في بلدانها. وهكذا ففي حين تبدو المعادلة التي يضعها الغرب قائمة على الإسلام الحركي بديلا عن الإسلام السياسي الذي يضع الجميع في سلة واحدة، تقدم جماعات التيار الجهادي معادلتها القائمة على الإسلام الجهادي كعبادة مقابل الإسلام الحركي كسياسة.

وينبغي أن تثير مثل هذه المعادلة الكثير من التأمل خاصة فيما يتعلق بالمخزون الفكري للتيار الجهادي والذي لم يعد حكرا على تنظيم بعينه. والسؤال: من أين يبدأ هذا المخزون؟ وأين ينتهي؟

لو قمنا بمقارنة بين المخزون الثوري للحركات الوطنية والتحررية العربية على وجه الخصوص سنجد أنه الأفقر على الإطلاق على المستوى العالمي، فقد بلغ الفقر الثقافي الثوري حد العدم لدرجة أن قيادة كتائب الفدا التي تشكلت سنة 1949 كأول تشكيل مسلح غداة النكبة، وكانت أولى بواكير حركة القوميين العرب، استلهمت أفكارها من جيوسبي غاريبالدي القائد الفدائي الايطالي وتعلمت من جيوسيبي مازِّيني عضو الجمعية الوطنية السرية الايطالية (كاربوناري) أساليب التنظيم السرية ككلمات السر والأسماء المستعارة [1] ! بل أن الفقر بلغ حدا دراماتيكيا بانشقاق الجبهة الديمقراطية عن الجبهة الشعبية بدعوى تكوين الحزب الثوري الحديدي وعلى قاعدة"إما أن تكون ثورة أو لا تكون"، وتبرير الجبهة الشعبية مثلا للحاقها بالماركسية بعد بضعة شهور ببضعة قراءات لبعض المقالات! ولا شك أن هذا الفقر يعود بشكل مبدئي إلى حالة العداء التي استحكمت بين التيارات العلمانية التي تمثلت بالفكر اليساري وتجارب الثورات الآسيوية من جهة والتيارات الإسلامية لاسيما جماعة الإخوان المسلمين الذين سجلوا سبقا كبيرا في النشأة والعمل السري من جهة أخرى.

أما فكرة القومية العربية فقد مثلت، ولا شك، أولى بواكير المخزون الثوري بما أنها انطلقت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ردا على السياسة الطورانية التي اتبعتها تركيا ضد ولاياتها العثمانية، هذا المخزون أخذ في التزايد خلال الحقبة الاستعمارية التي استعرت مع دخول القوى الأوروبية إلى ما أسمي بالوطن العربي فيما بعد وتقسيمه إلى دول مستقلة وفقا لاتفاقية سايكس- بيكو سنة 1916، ثم تطور مع المرحلة الأكبر من المد الثوري القومي غداة اغتصاب فلسطين سنة 1948، وبلغ ذروته مع الفكر الماركسي بمختلف تلاوينه السياسية والأيديولوجية إثر تبني الاتحاد السوفياتي لحركات التحرر العالمية في العالم الثالث في أعقاب حرب السويس سنة 1956 وغداة الثورة الطلابية في أوروبا سنة 1968، ومن ثم نجاح معظم الثورات الآسيوية في التحرر من القوى الاستعمارية الكبرى.

أما المخزون الثوري الجهادي فهو غني عن التعريف ومدهش وغزير وغير مقيد لا بالزمان ولا

بالمكان، وفي واقع الأمر هو معين لا ينضب إذا ما تعلق الأمر بالتراث العقدي والتاريخي منذ البعثة النبوية. ولكن إذا ما أخضع هذا المخزون الهائل لمبدأ"فقه الواقع"فهو على أصالته فقير إلى حد التجاهل. والبداية مع هذا الأخير (فقه الواقع) كانت في أغزر تراث وأغناه وأهمه بالنسبة للتيارات

(1) 85 باسل الكبيسي، حول حركة القوميين العرب، مطبعة الناصر، لقدس، 1974، ص21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت