الصفحة 38 من 43

الأمنية تبقى أمنية، ولكن السوري لم يكن مجرد مؤرخ أو محلل أو كاتب بقدر ما كان مدربا ومشرعا ومخططا ومحرضا. ولا أحد يعرف حتى اللحظة ما الذي خلفه هذا الرجل وراءه [1] .

رب سائل يسأل: ما الذي يعنينا من هذا الكلام؟

نقول الكثير. فهو يعني بتعبير الرئيس الفلسطيني"تخريب المنطقة". وقد كنا طرحنا سؤالا منكرا فيما سبق لما قلنا: ما الذي يمكن أن تفعله القاعدة في فلسطين ضد إسرائيل ولم تفعله الأجنحة العسكرية المختلفة على امتداد عقود؟ وكيف للقاعدة أن تتواجد في منطقة تشهد زحاما في البنادق قاربت على الفتك بنفسها؟ نتساءل ونحن نعتقد بأن حملة اعتقال إسرائيلية عشوائية واحدة قد تكسر كل مخططات القاعدة، فلماذا تغامر بتواجد غير مأمون إن لم يكن بِمَقْتَل؟

والجواب هو أن تلجأ إلى ما هو غير مألوف أو متوقع بحيث يؤدي تدخلها إلى حدوث فارق مميز في المواجهة مع إسرائيل. هكذا يمكن أن يتقبلها المجتمع الفلسطيني المتعطش للخلاص بنفس القدر الذي يتعطش فيه للثأر، وحتى تنظيماته المسلحة قد ترغم على تقبلها دون حساسية كبيرة مثلما أرغمت المنظمات الفدائية من قبل على تقبل حركة حماس والجهاد الإسلامي ولجان المقاومة الشعبية. فإذا كانت المنظمات الفدائية والجماعات الإسلامية قد استعملت أسلوب الهجمات الخاطفة على المعسكرات والجنود والمستوطنات أو أسلوب السكاكين ومن ثم الحجارة والعمليات الاستشهادية والعبوات الناسفة والقاذفات المضادة للدروع مخلفة في أفضل الأحوال خسائر بشرية لا تتعدى بضعة أفراد وبضعة أضعاف من الجرحى فلا يعتقدن أحد أن القاعدة ستحضر إلى فلسطين لتلقي الحجارة على بني صهيون أو تتباهى باستعراضات الأسلحة والقوة هنا وهناك لتحقق مكسبا سياسيا أو مجدا سافرا.

فنحن لن نواجه تنظيما استعراضيا بقدر ما هو تنظيم يؤمن بأنه يمارس عبادة يتقرب بها إلى الله، ولا نستبعد في مثل هذه الحالة أن يلجأ إلى التميز باستخدام وسائل قتالية ذات تدمير عالي أو على الأقل إيقاع خسائر بشرية جسيمة قد تفقد إسرائيل صوابها فعلا كما حصل مع الولايات المتحدة. هنا بالضبط مكمن الخطر حيث ستكون المنطقة في فوضى عارمة لا أحد يمكن أن يتكهن بمدى التخريب الذي قد يلحق بها. ولكن متى؟ سؤال يستحق التوقف عنده.

بطبيعة الحال ليست لدينا سوى مؤشرات توفرها لنا استراتيجيتها ذات البعد الديني ووثيقة استراتيجيا القاعدة التي أشرنا إليها والوقائع على الأرض. وهذه الأخيرة تؤشر على أن القاعدة ربما تكون فعلا قد

(1) يذكر أن مصادر أمنية باكستانية كشفت في 31 أكتوبر/ تشرين أول 2005 عن اعتقال باكستان لأبي مصعب السوري بعد اشتباك مسلح في مدينة كويتا في إقليم بلوشستان، ثم نفت الخبر الذي عادت وأكدته مصادر أمريكية في نهاية شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2005، وقد أقدمت باكستان على تسليمه إلى الولايات المتحدة في مطلع شهر أيار/ مايو 2006.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت