وأجاب -رَحِمَهُ اللهُ- عن الاعتراضات التي يمكن أن ترد على هذا التقرير وترجع إلى ثلاثة أمور.
الأول: أن هذا يتضمن إبطال القياس، لأن الوقوف مع ظواهر النصوص من غير زيادة ولا نقصان هو مذهب الظاهرية وهذا يقتضي رد القياس.
وأجاب -رَحِمَهُ اللهُ-: وقد سبقت الإِشارة إلى شيء منه - بأن القياس الشرعي نظر في أمر شرعي، مأخوذ من الأدلة الشرعية، يُبنى عليها ويُضبط بها، فإذا ألحقنا المسكوت عن حكمه بالمنصوص عليه، فإن الثاني منصوص عليه بحكم الشرع - فأين حكم العقل - وكذلك إذا أخذ المسكوت عنه حكمًا يماثل حكم المنصوص فإنما يأخذ حكمًا شرعيًا - فأين حكم العقل - وإذا كان للعقل هنا تصرف وهو معرفة وجود علة الحكم في المسكوت عنه بعد استنباطها من المنصوص عليه، فإن هذا تصرف تحت نظر الشرع وليس العقل فيه مستقلًا ولا منشئًا"بل هو مهتد فيه بالأدلة الشرعية يجري ما أجرته ويقف حيث وقفته" [1] .
الثاني: أن الأصوليين قد أثبتوا للعقل التخصيص مثاله قوله - تعالى: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فخصص العقل العموم هنا فلم تدخل ذات البارئ سبحانه، وتصرف العقل في النقص من النص كالتصرف بالزيادة عليه لأنها بمعناه، والنقص والزيادة إبطال للحد الذي حده الشرع إما بالنقص منه أو بالزيادة فيه، فإذا لم يكن النقص منه - بتخصيص عمومه - إبطال للحد فكذلك الزيادة [2] .
الثالث: أن من القواعد الأصوِلية جواز تخصيص النص أو الزيادة عليه، إذا كان المعنى المناسب واضحًا وسابقًا للفهم عند ذكر النص.
(1) الموافقات 1/ 50 - 51، وانظر ما سبق ذكره ص 408.
(2) المصدر السابق 1/ 50 - 51. وقد سبق جوابه في فصل العموم.