أولًا: أنَّ المفسدة التي ثبت الحكم مع وجودها بدليلٍ (من نصٍّ أو تقريرٍ أو إجماع أو قياسٍ) غير معتبرة.
فأمَّا القاعدةُ الأولى، فتُخرج إيرادَ من يُورد وجود مفسدةٍ في الجهاد مع العلم بأنَّ هذه المفسدة بعينها كانت موجودةً زمن النّبيِّ صلى الله عليه وسلم، كإيراد من يُورِدُ ذهاب الطَّاقات الدعويَّة، ونحوه ويقول: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، وقد كان النّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُخرج في الجهاد كلَّ أحدٍ دون تفريقٍ، وكذا الصَّحابة حتّى قُتل في حرب مسيلمة مئاتٌ من القُرّاء، وهذه الحُجَّة باطلةٌ بوجود المفسدة المذكورة زمن النّبي صلى الله عليه وسلم دون أن يُعطّل الحكم لها، وبالنّصِّ على بطلانها، والرد عليها في الآيات:"قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت"،"قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتلُ إلى مضاجعهم."
كما تُخرج إيرادَ من يُورد جرَّ العدوِّ إلى بلاد المسلمين، لوجود ذلك زمن النّبيِّ صلى الله عليه وسلم، حين بادأ قريشًا بالقتال، وجاؤوا للمدينة في غزوة بدرٍ، وأحدٍ.
وتُخرج أيضًا: من يُورد ذهاب الأمنِ، وزعزعة البلاد، فإنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيق أخرج الجيوش، وقال: والله لو جرّت الكلاب أرجل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ما تركت إخراج الجيوش، أو كما قال رضي الله عنه، مع أنَّه إن كان ملزمًا بإخراج جيش أسامة بالنّصِّ، فإنَّ قتال المرتدِّين ليسوا كذلك، مع علمه بأنَّ بعض الأعراب حول المدينةِ كانوا يتربّصون.