ثامنًا: أنَّ اجتهاد الأمير في تقدير المصالح والمفاسد ما لم يكن مفسدةً محضةً، مقدَّمٌ على غيره.
والقاعدة الثَّامنة، تكون في كلِّ جيشٍ، كتنظيم القاعدة: يُقدم على عملٍ جهاديٍّ، فإنَّ آحاد الجيش قد يختلف تقديرهم للمصالح والمفاسدِ، ولا يمكن أن يُخالف الواحد منهم أميرهُ وقد فعل الأمير ما أمر به، فنظر نظرًا صحيحًا في المسألةِ، واختار ما أمرهم به.
والمجاهدون الذين قاموا بهذا العمل المبارك، ائتمروا بأمر أميرهم، سواء كان أسامة، أو من أمَّره عليهم أسامة في الجزيرةِ، وصدروا عنه، وليس لهم أن يتركوا الجهاد لتقديرٍ يُقدّره أحدُهم.
إذا علمت هذا، فإنَّ قولهم: فالمسألة ليست مجرد موازنةٍ بين المصالح والمفاسد حتى يقول لنا أحد: إنه يسعكم أن تسكتوا ولا تثرِّبوا، وتعذروا ولا تُدينوا!، باطلٌ من وجهين:
الأوَّل: أنَّ كلَّ ما عدا النظر في المصالح والمفاسد قد أجيب عنه من استدلالهم، فلم يبق لهم إلاَّ مجرَّد النظر في المصالح والمفاسد، فيُقال لهم يسعكم أن تسكتوا، حتّى يُنظر في المصالح ويُتحدّث عنها، ليُقال لهم -بعد تحرير الكلام في المصالح- لا يسعكم أن تسكتوا بل لا يسعكم إلاَّ أن تؤيِّدوا التّفجيرات، وتحرّضُوا عليها.
والوجه الثَّاني: أنَّ ترك التثريب لا ينحصر على المسائل التي يتوقف فيها القول على النظر في المصالح والمفاسد، بل حتّى الّتي يُختلف فيها في بعض الأدلَّة ويُتنازعُ في تصحيحها، أو تأويلها، ما دام الخلاف قويًّا له مأخذ صحيحٌ، وهذه المسألة مع مخالفيهم فيها الدليل القويُّ الصَّحيحُ الظَّاهر الذي ليس معهم معارضٌ له أصلًا فأقلُّ أحواله على أكثر التنزُّل أن يُقال: إنَّ مخالفيكم مجتهدون أخذوا بمستمسك قويٍّ فلا يجوز التثريب عليهم.