فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 93

لمّا مات النبيُّ صلى الله عليه وسلم، أخرج أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه جيش أسامة، امتثالًا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم:"أنفذوا بعث أسامة"، ولمّا أراد إخراج الجيوش لقتال المرتدّين، راجعه بعض الصحابة في ذلك، لئلاّّ تخلو المدينة من قوة تحميها، فقال لو جرّت الكلاب أرجل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ما تركت هذا الأمر.

ومن البدهيّات أنَّ من يُقاتل أعداء الله لا يأمن هجمتهم وانتقامهم، وأنَّ الأمن عند ذلك يتزعزع، سواء هاجمهم في بلادهم، أو هاجم المعتدين منهم على بلاده، وهذا أبو بكرٍ يأبى أن يترك قتال المرتدّين لحماية أهل المدينة، ولو أنّ رجلًا أراد الأمن المطلق، بالمفهوم المادّيّ، لعطّل مع الجهاد فرائض كثيرةً.

ثمّ من خاطر بنفسه امتثالًا لأمر الله، وآمن ولم يلبس إيمانه بظلم، فإنَّ له من الله الأمن، حتّى في القتال إذ يغشّيه النعاس أمنةً منه، ومن ترك أمر الله، واحتجّ بالحفاظ على الخوف، فمن مأمنه يؤتى الحذِر.

والّذي يحسب أنّه سيُترك ويأمن حين يدّعي الإيمان ولا يبلوه الله بشيءٍ، قد جهل قول الله عزَّ وجلَّ: {الم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} ، وأجهل منه من يرى أنّ حقًّا له، أن يدّعي الإيمان، ويخرج عن مقتضياتِهِ متى خشي على شيءٍ من دنياه، محتجًّا بالأمن.

وهل هذا إلاّ كمن {يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة} ، أو كمن يقول: {ائذن لي ولا تفتنّي} ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت