وهم ينظرون إليها في الأرض حتى تتوارى عنهم، ثم أوحى الله تعالى إلى عيسى: أن اجعل مائدتي ورزقي لليتامى والزمنى دون الأغنياء من الناس. فلما فعل ذلك أعظم ذلك الأغنياء، فادعوا القبيح حتى شكوا وشككوا الناس فيها، فوقعت الفتنة في قلوب المرتابين -يريد المشركين- حتى قال قائلهم: يا مسيح الله: إن المائدة لحقٌ تنزل من عند الله تعالى. فقال عيسى: ويلكم أهلكتم، فأبشروا بالعذاب إلا أن يرحمكم الله تعالى. فأوحى الله تعالى إلى عيسى: أني قد أخذت شرطي من المكذبين، إني قد اشترطت عليهم: أني أعذب من كفر منهم بعد نزولها عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين. فقال عيسى -عليه السلام-: إن تعذبهم فإنهم عبادك. قال: فمسخ الله منهم ثلاثة وثلاثين رجلًا خنازير من ليلتهم، فأصبحوا يأكلون العذائر من الحشوش وينبشون في الكناسة والمزابل والطرق، ويتعاوون، وقد كانوا ينامون أول الليل على فرشهم مع نسائهم آمنين، بأحسن صورة، وأوسع رزق، فأصبح الناس يطوفون بعيسى فزعًا ورهبًا من عقوبة الله تعالى، وعيسى يبكي وأهليهم يبكون معه [عليهم] ، وجاءت الخنازير تسعى إلى عيسى حين أبصرته، فطافوا به ينظرون إليه، ويشمون ريحه، ويسجدون له، وأعينهم تسيل دموعًا، لا يستطيعون الكلام، فقام عيسى يناديهم بأسمائهم: يا فلان، فيومئ برأسه نعم،