قالوا: إن اللّه اتحد بالعارفين (2) .
والاتحاد عندهم يعني وصول العارف الى مرحلة الفناء التي يريدون بها فناء العارف في اللّه وفناءه عما سوى اللّه.
وهذه المرحلة أعلى مقامات النفس عندهم.
وعرّفه العارف السهروردي بقوله: «الفناء المطلق: هو ما يستولي من أمر الحق
(1) الملل والنحل 1/188.
(2) النافع يوم الحشر 36 .
سبحانه وتعالى على العبد فيغلب كون الحق سبحانه وتعالى على كون العبد» (1) .
ويقصد السهرودي بتعريفه هذا ما عناه بعضهم بتعريفه (الاتصال) من أنه «أن لا يشهد العبد غير خالقه ولا يتصل بسره خاطر لغير صانعه» (2) .
ونلمس انعكاس هذه الفكرة ليس على سلوكهم فقط، وانما حتى في ادبهم الشعري، ومنه:
-قول الحلاج:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا*** نحن روحان حللنا بدنا
فاذا أبصرتني أبصرته*** واذا أبصرته أبصرتنا
-قول ابن الغارض:
من لي باتلاف روحي في هوى رشأ*** حلو الشمائل بالارواح ممتزجِ
لم أدرِ ما غربة الاوطان وهو معي*** وخاطري أين كنا غير منزعجِ
فالدار داري وحبي حاضر ومتى*** بدا فمنعرج الجرعاء منعرجي
-قول الآخر:
قد تحققتُكَ في السر فناجاك لساني
فاجتمعنا لمعان وافترقنا لمعاني
ان يكن غيّبك التعظيم عن لحظ عياني
فلقد صيّرك الوجد من الاحشاء داني
والاتحاد غير معقول، أي أنه مستحيل في نفسه.
ولانه مستحيل في نفسه يستحيل اثباته لغيره.
والدليل على استحالته في نفسه: ان الشيئين المتحدين - بعد فرض اتحادهما - إن بقيا موجودين فلا اتحاد بينهما، لانهما - والحالة هذه - إثنان متمايزان لا واحد.
(1) عوارف المعارف 363 .
(2) م . ن 359 .
وان لم يبقيا موجودين بأن انعدما معًا، ووجد شيء ثالث غيرهما أيضًا لا اتحاد هنا لان المعدوم لا يتحد بالمعدوم.
وإن انعدم أحدهما وبقي الآخر، فلا اتحاد بينهما أيضًا لان المعدوم لا يتحد بالموجود.