كذلك هي لا تقوى على معارضة دليل التوحيد العقلي لانه يقيني الدلالة، وهي ظنية الدلالة.
أما الذي قام به المثبتون، وخاصة الأشاعرة من محاولة إثبات الرؤية مع المحافظة على نقاء فكرة التوحيد من أن تشاب بما يخالفها من الجسمية وأمثالها أمر ذو أهمية، وله تقديره
لكن يلاحظ عليه:
1 -انهم خرجوا عن الموضوع المتنازع فيه.
ذلك أن المتنازع فيه هو رؤية اللّه تعالى بالعين الباصرة وبالوضعية الطبيعية للرؤية، مع مراعاة الاعتقاد ببساطة وتجرد الذات الالهية.
وهم قالوا: بالرؤية الادراكية.
وعن طريق حاسة سادسة أو خاصة.
فالمؤمن يرى اللّه تعالى رؤية ادراك وعلم لا رؤية مشاهدة وعيان.
2 -ان ما مثّلوا به من أن رؤيته تعالى كرؤية القمر ليلة البدر يناقض الرؤية الادراكية لأن رؤية القمر رؤية مشاهدة وعيان، كما استفاد الامام الاشعري هذا من حديث رؤية القمر، فقرر - كما تقدم - بأن التمثيل برؤية العيان لم يكن معناها الا الرؤية بالعيان.
ومعنى هذا أن المؤمن يرى اللّه بالعين الباصرة، وهي تختلف عن الرؤية العلمية أو الادراكية لأن الادراكية رؤية قلبية.
3 -وكما قلتُ آنفًا انه لا بد من تحديد مفهوم للرؤية متفق عليه حتى يصح البحث فيها نفيًا واثباتًا.
أما مع الاختلاف في مفهوم الرؤية فلا معنى للبحث بغية نفي الرؤية أو اثباتها، لأنه والحالة هذه، لا تعارض بين دلالتي الآيتين.
لأن واقع الأمر عند الطرفين لا يخلو:
إن كانت الرؤية بصرية فمستحيلة لما يلزمها من الجسمية.
وان كانت قلبية أو ادراكية أو علمية - ما شئتَ فسمِّ - فجائزة.
واذا كانت في الآيتين بصرية فهي محال عند الطرفين.
واذا كانت فيهما قلبية فهي جائزة عندهما.
اذًا ما الذي دعا الاشاعرة الى هذا التشدد في الموقف ؟ ؟
الذي يظهر لي - وبخاصة مع اصرارهم على المحافظة على الاعتقاد ببساطة الذات الالهية وتجردها - أن الذي دعاهم الى هذا هو: ان أحاديث الرؤية مروية في الصحاح.