أي: ولا يزال المشركون يقاتلونكم أيها المؤمنون ويضمرون لكم السوء ويداومون على إيذائكم لكي يرجعوكم عن دين الإِسلام إلى الكفر إن استطاعوا ذلك وقدروا عليه . والتعبي بقوله { وَلاَ يَزَالُونَ } المفيد للدوام والاستمرار للإِشعار بأن عداوة المشركين للمسلمين لا تنقطع وأنهم لن يكفوا عن الإِعداد لقتالهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا ، فعلى المؤمنين ألا يغفلوا عن الدفاع عن أنفسهم .
و { حتى } للتعليل أي: { وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ } لكي { يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ } أو بمعنى إلى ، أي: إلى أن يردوكم عن دينكم . والرد: الصرف عن الشيء والإِرجاع إلى ما كان عليه قبل ذلك: فغاية المشركين أن يردوا المسلمين بعد إيمانهم كافرين .
وقوله: { إِن اسْتَطَاعُواْ } يدل - كما يقول الزمخشري - على استبعاد استطاعتهم رد المسلمين عن دينهم ، وذلك كقول الرجل لعدوه: إن ظفرت بي فلا تبق على .
وهو واثق من أنه لن يظفر به . ويشهد لذلك التعبير بإن المفيدة للشك .
وفائدة التقييد بالشرط"إن"التنبيه على سخافة عقول المشركين ، وكون دوام عداوتهم للمؤمنين لن تؤدي إلى النتيجة التي يتمنونها وهي رد السملمين عن دينهم ، لأن لهذا الدين ربا يحميه ، وأتباعه يفضلون الموت على الرجوع عنه .
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة من يرتد عن الإِسلام فقال: { وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فأولائك حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدنيا والآخرة وأولائك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } .
ويرتدد يفتعل من الرد وهو الرجوع عن دينه إلى الكفر .
و { حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ } أي: بطلت وفسدت وأصله من الحبط ، بفتح الباء - وهو أن تأكل الدابة أكلا كثيرًا تنتفخ معه بطونها فلا تنتفع بما أكلت ويفسد حالها وربما تموت من ذلك . شبه - سبحانه - حال من يعمل الأعمال الصالحة ثم يفسدها بارتداده فتكون وبالا عليه ، بحال الدابة التي أكلت حتى أصابها الحبط ففسد حالها .
والمعنى: ومن يرتدد منكم عن دين الإِسلام ، فيمت وهو كافر دون أن يعود إلى الإِيمان فأولئك الذين ارتدوا وماتوا على الكفر بطلبت جميع أعمالهم الصالحة ، وصارت غير نافعة لهم لا في الدنيا بسبب انسلاخهم عن جماعة المسلمين ، ولا في الآخرة بسبب ردتهم وموتهم على الكفر ، وأولئك الذين هذا شأنهم أصحاب النار هم فيها خالدون خلودًا أبديًا كسائر الكفرة ، ولا يغني عنهم إيمانهم السابق على الردة شيئًا .
وجيء بصيغة الافتعال من الردة وهي مؤذنة بالتكلف ، للإِشارة إلى أن من باشر الدين الحق وخالطت بشاشته قلبه كان من المستبعد عليه أن يرجع عنه ، فهذا المرتد لم يكن مستقرًا على هذا الدين الحق وإنما قلقًا مضطربًا غير مستقر حتى انتهى به الأمر بموته على الكفر لتكلفه الدخول في الدين الحق دون الثبات عليه .
وفي قوله: { مِنْكُمْ } إشعار بأنه لا يتصور أن تتحقق بغية المشركين وهي أن يردوا المسلمين جميعًا عن دينهم . بل أقصى ما يتصوره العقلاء أن ينالوا ضعيف الإِيمان فيردوه إلى دينهم ، فيكون الله - تعالى - قد نفى خبثه عن هذا الدين ، إذ لا خير في هؤلاء المشركين ولا فيمن عاد إليهم بعد إيمانه ، والكل مأواهم النار وبئس القرار .
قال الجمل: ومن شرطية في محل رفع بالابتداء ، يرتدد فعل الشرط ، ومنكم متعلق بمحذوف لأنه حال من الضمير المستكن في يرتدد؛ ومن للتبعيض . والتقدير: ومن يرتدد في حال كونه كائنًا منكم أي بعضكم ، وعن دينه متعلق بيرتدد ، وقوله فيمت وهو كافر عطف على الشرط والفاء مؤذنة بالتعقيب ، وقوله: { وَهُوَ كَافِرٌ } جملة حالية من ضمير بمت . وقوله: فأولئك جواب اشرط .
وقوله: وأولئك أصحاب النار مستأنف لمجرد الإِخبار بأنهم أصحاب النار أو معطوف على جواب الشرط . ."."
وفي الإِتيان باسم الإِشارة"أولئك"في الموضعين تنبيه إلى أنهم أحرياء بتلك العقوبات الأليمة بسبب ردتهم وموتهم على الكفر .
وفي التنصيص على حبوط أعمالهم في الدنيا والآخرة زيادة مذمة لهم ، فهم في الدنيا - بسبب ردتهم - تسلب عنهم آثار كلمة الشهادتين من حرمة الأنفس والأموال والأعراض والصلاة عليهم بعد الموت ، والدفن في مقابر المسلمين ، ومن طلاق زوجته المسلمة منه ومن عدم التوارث إلى غير ذلك من حقوق المسلمين ، أما في الآخرة فشأنهم شأن الكافرين في ملازمتهم للنار . هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من من هذه الآية الكريمة .